بعد غياب دام طويلا اختلفت أسبابه بين مدعٍ بعدم تحمل شدة الحر، وبين متعذر بأشغال الحياة، ها هم رجالات القرية يجتمعون مرة أخرى على سفح واديها الجاف، الذي استحال إلى مجموعة من المزارع، التي تبدو من مساحاتها الصغيرة أنها مجرد استراحات يحاول أصحابها الهروب إليها بين الحين والآخر. وكعادتهم شرعوا في الوقوف على الأطلال واستذكار الأيام الخوالي، التي كانوا يقضونها في أدغال الوادي ساخرين من مرونة "عثمان"، الذي كانوا يصفونه "بالقرد"، ومستذكرين القصص التي كانوا يحبكونها بشيطنة باهرة. تماماً ككل مرة يجتمعون فيها يكررون أحاديثهم ويجترون ذكرياتهم، دون أن يجرؤ أحدهم على سؤال الآخر عن أحوال الأبناء والبنات، كما لو أنهم غرباء وجدوا بعضهم في مكان ما وتفرقوا بعد ذلك، رغم أن لكل منهم قصته التي يتمنى أن يسردها على الجماعة التي لا يرى -في قرارة نفسه- أن أحدا غيرها يستحق أن يُباح إليه..ولكن!
على غير العادة كان في هذا اللقاء أمر غريب، بدءاً من فجائيته وانتهاء بوجود الشاب اليافع بينهم، الشاب الذي يقال إنه ولد المرحوم "عيسى الأعرج" الذي يدرس في الخارج، والذي كانت جل القصص والحكايات التي ذكرت في بداية اللقاء إنما كانت لأجله ولأجل إثارة انتباهه، خاصة أنه استطاع أن يشد بوسامته وذكائه عثمان القرد، الذي لم يبق قصة إلا سردها، بينما اكتفى البقية بالوقوف قليلا على أطلال الوادي متقاسمين مع ياسر ولد الأعرج، كعكة الإصغاء إلى عثمان القرد، تاركين له الضحك والقهقهة، وحاملين بين أنفاسهم سحائب الصمت المليئة بالهموم خشية القادم بعد ذلك، خاصة أنهم كثيراً ما يتعوذون من الضحك والفرح.. وبالفعل وقع ما كان في الحسبان، فما إن صمت عثمان، حتى راح "ياسر" يسألهم ببراءة عن أسباب سفر ثلاثة من شبان القرية إلى مناطق النزاع بحجة الجهاد، مستغرباً صمتهم المطبق وراجياً أن يكونوا قد فعلوا شيئاً تجاه ذلك، الأمر الذي اضطر عثمان القرد أن يقاطعه، بتنهيدة اختزلت صمت كل الذين كانوا حاضرين في اللقاء، والذين اكتفوا حينها بالرسم على التراب تارة وتنظيف أسنانهم بأعواد القش المتناثر حولهم تارة أخرى.
وقال له يا ولدي يا ياسر: لو أن لنا من الأمر شيئا لما حدث ما حدث، ولكنها معركة تدار في الخفاء، معركة لم نعد نعلم فيها العدو من الصديق، معركة تفوق بساطتنا وبساطة حياتنا التي عشتها ومازلت، معركة لا نعلم إن كان شبابنا قد ذهبوا إليها، أم أنها هي التي أتت إليهم دون أن يدرك أحدنا ذلك؟
وحين حاول "ياسر" أن يستطرد في حديثه.. قاطعه عثمان مرة أخرى، وشرع يسأله بابتسامته اللطيفة: ألا تنوي الزواج يا بني؟ فهب كل الحضور ودونما أدنى احترام لآداب الحديث، يتحدثون عن الزواج وحكاياته، حتى رفع أحدهم صوته فيهم، وخص ياسراً بالحديث قائلا: في الزواج لن تكون إلا كأبيك، يهرب من المنزل كل ما حل موسم الزبيب!
هكذا انتهى اللقاء الموسمي وتفرق الجميع إلا ياسر! فقد تسمر في مكانه ينقش اسمه بلغة أجنبية على التراب، يرسم وطنه الجديد، يفكر في الزواج والدراسة والمستقبل، لكنه لم ينس اسم الموسم الجديد الذي سمعه من ذلك المتشنج، الذي لا يدري إن كان ما قاله مجرد مزحة أم لا؟ ومتسائلا عن علاقة والده "المرحوم" بهذا الموسم؟
وبينما كانت الأفكار تدور في رأس ياسر، قرر أن يذهب ليسأل أمه عن "موسم الزبيب"، إلا أنها اكتفت بالصمت لتقول له: سل رجال القرية عن هذا الموسم. فتذكر أن أحدا لن يشفي غليل نهمه لمعرفة هذا الموسم كما سيفعل العم عثمان، فاتجه إلى منزله الواقع في الطرف الآخر للقرية، وفي الطريق وبين أزقة القرية وشوارعها التي لم يعد لها من القروية إلا الاسم، وبين وجوه الأطفال الجدد الذين يشبهون بعض رفاق الماضي.. قفز مشهد اللقاء إلى مخيلته، وراح يحلل أسباب صمت الجميع عندما كان يتحدث هو عن رحيل الشبان، وكأن من حوله خرس لا ينطقون، وكيف أنهم هبوا جميعاً للحديث عن الزواج حتى إنه -ولوهلة ما- انتابه الغرور بنفسه وقال: لعلهم يريدونني زوجاً لبناتهم. وهكذا ظلت النبوءات تتدحرج بياسر إلا أن المطر الذي انهمر عليه وهو في منتصف الطريق، أجبره على أن يحوّل وجهته إلى بيت أخته الكبيرة التي قضى في حضرتها وقتاً طويلا من الضحك على رجال القرية وأوهامهم، التي عاشوها في كنف موسم الزبيب!