الذي يطالع الصحف المحلية ويحاول سبر أغوار هذا المجتمع، أو يتابع حركته المستمرة من خلال الصحافة كونها العامل الوحيد حتى الآن بعد شبكة الإنترنت طبعا، التي تكشف عن الكثير من خفايا هذا المجتمع، لن يعدم من الحكم عليه بشيئين: إما أن واقعنا الاجتماعي والثقافي والديني ما زال في مرحلة المراهقة الفكرية بحيث أصبحت الكثير من التصرفات أشبه بمسلسل كوميدي خرج عن المعقول، أو أن المسألة كامنة في نوعية ما تطرحه الصحف وتركز عليه، وتحاول نبشه من طيات هذا المجتمع حتى أصبح هذا المجتمع من أكثر المجتمعات إثارة، بل صار تحت الضوء في كثير من وسائل الإعلام حتى الخارجية منها.
المسؤولون من كل الأطياف، وعلى مختلف الجهات الرسمية وغير الرسمية، ومن جميع الاتجاهات الفكرية يفضلون دائماً حصر المشكلة في الطرح الصحفي، وإلا فإن الأمور كلها جيدة، وتسير بشكل سليم حتى لو كانت مصالح البشر معطلة، وليس ما يطرح إلا من قبيل الإثارة الإعلامية التي تتقصد الإساءة لتلك الجهة أو تلك الوزارة، أو لذلك التيار.
الإعلاميون يعتبرون أن ما خفي من القضايا المطروحة أكثر مما ظهر، وما نُشر يكاد يتشابه مع الكثير من القضايا الأخرى التي يمكن إثارتها بطريقة ثانية وقد تكون فضيحة أخرى، والقضايا التي طرحها تشكل نسبة عالية جداً إذا ما تم طرح كل شيء في حال تجاوزنا مشكلة المنع أو في الحالات التي يتم تجاوز أشياء أخرى من أجل أشياء أهم، والكثير مما نشر كان أصحابه يفضلون نشره ليتم حلها، ومن ينشد السلامة حتى لو كان مغبون الحق أكثر بكثير مما طرح فمشاكلنا تعدت المعقول وتخطت الحدود الإعلامية.
القارئ يقف هنا متفرجاً، وقد يدخل في سجال مع تلك القضية أو ذلك الموقف منحازاً مع أو ضد، أو محاولاً التوسط بطريقة تكشف ميوله الثقافية أو الفكرية أكثر مما تخفي، ثم تجد أن القضية إنما هي في الأصل صراع فكري يدور بين الأشخاص وبين القراء دون أن تعرف من هذا القارئ أو من تلك القارئة، والقضايا الأكثر إثارة هي تلك التي تدور حول المرأة من قريب أو من بعيد، والاتجاهات الفكرية تعمل عملها هنا حتى لو كانت القضية واضحة وضوح الشمس.
تقلب صفحات الصحيفة (أي صحيفة) فتجد عناوين عريضة جدا من نوعية: (الصين تقف على التجربة السعودية في محاربة الفساد) أو عنوان مثل: (البيت الأبيض استفاد من تجربة تجمع الحج في تنصيب أوباما) أو من قبيل: (وفد أميركي يقف على تجربة المملكة في الحوار الوطني) أو العنوان الأعرض من بين كل تلك العنوان: (تجربة المملكة في محاربة البطالة على طاولة وزراء العمل العرب)، ثم لا تستطيع لحظتها إلا أن تندهش من حجم العنوان، ومدى التعامل المهني في مثل تلك العناوين التي لا يستطيع أحد أن يتقبلها مهما كانت دقتها، لأن الواقع غير ما هو في حجم دلالة ذلك العنوان أو ذلك التصريح.
بعد فترة تعود إلى الصحف فتجد أن عالم الجن بدأ يأخذ وضعه في واقعنا المحلي، بل ويتدخل هذه المرة في إعادة تشكيل الكثير من سير العمل في عدد من أجهزتنا الحكومية، وحينما ينتهي الجن من عمله يلتفت إليه الناس ويطلبون بالتحقيق معه وتقديمه إلى المحاكمة. هذا المشهد كوميدي جداً وغير معقول.
في الواقع الثقافي تجد من يدخل في مسابقة جائزة للرواية ويصرح للصحافة أو بعض أصحابه في المنتديات بأنه قريب من الفوز، حتى إذا لم يفز فيها ثار على الجائزة ومنظميها والمحكمين، ويتهم الجميع بالتواطؤ ضده وعدم النزاهة، ثم تقرأ تلك الرواية فتجد أن المحكمين كانوا من النزاهة الكبيرة والأدب الجم بحيث لم يفضحوا مستواه الفكري ولا السردي.
مشهد ثقافي آخر يدور حول جائزة للكتاب وتجد أن الكتاب الفائز قد سرق الكثير من الأفكار من شخص في لجنة التحكيم، وحينما يُسأل هذا المحكم كيف لم يعلم عن هذا الكتاب وهو في لجنة التحكيم يعترف أنه لم يقرأه. إذن ماذا كان يفعل في لجنة التحكيم؟! هذا الرجل يقدم استقالته، والمشهد الثقافي السعودي يصفق بحرارة، ويعتبر هذه الاستقالة فتحاً عظيماً لم يكن قبله ولا بعده.
آخرون يقدمون استقالتهم من إحدى الأندية مع أن مدة انتهاء دورتهم بقيَ عليها شهران فقط، لأنهم لا يرضون إلا الانتخابات مع أنهم معينون تعييناً طيلة خمس سنوات مضت، ولم يأتوا عن طريق الانتخابات. أحد المثقفين البارزين في المنطقة يطالب بمحاكمتهم أخلاقياً ومالياً لأنهم لم يقدموا شيئاً يذكر للثقافة. يرد أحد المستقيلين بأنه مريض نفسيا، ولديه موقف مسبق من المؤسسات الثقافية، وما زال الصراع على حاله.
مشهد آخر من داخل المجتمع وهو حكاية امرأة أربعينية تتهم أباها بأنه كان يعضلها ويقسو عليها، وحينما رفعت شكوى إلى القضاء حكم عليها بالسجن لأنها كانت عاقة لوالدها!. يقال إن والدها صرح في الصحافة أنه زوجها مرتين! أيهما نصدق؟.
شيخ يتصدر الصحف والمنتديات بفتاواه المثيرة للجدل إلى درجة أنه قال بهدم المسجد الحرام وإعادة بنائه بوضع هندسي معين كان قد عمل على تخطيطه. هذا الرجل رفع دعوى قديمة على وزارة التربية والتعليم بأنها تتوجه بتطوير جديد لا يتناسب مع مجتمعنا المحافظ أو قريبا من ذلك. هذا الرجل الآن يتصدر المشاركة في تأليف أحد الكتب التي عملت الوزارة على تطويرها! الأغرب أنه صرح بأن الوزارة نفسها كانت هي من تطلب منه المشاركة في تطوير المناهج منذ ست سنوات، وكلما طلب إعفاءه عاد المسؤولون في الوزارة وكلفوه بمهمة التطوير!
ترى ما الذي يحصل في سياقات مجتمعنا السعودي؟ وهل كل ما حصل ويحصل هو من قبيل الإثارة الإعلامية؟ أم أن المسألة تتعدى إلى كونها حراكاً اجتماعياً وثقافياً طبيعياً يحصل في كل المجتمعات التي تحاول الخروج من عنق الزجاجة؟.. الذي أنا متيقن منه أن هناك خللاً كبيراً مازلنا ندور حوله، ولم نستطع اكتشافه حتى الآن هو في عمق مشاكلنا الاجتماعية والثقافية.