أعلن مجلس الوزراء موافقته على برنامج التحول الوطني كإحدى آليات تحقيق "رؤية المملكة 2030"، والذي شمل تفاصيل لأدوار ومسؤوليات الجهات الحكومية ذات العلاقة، حيث يهدف البرنامج إلى تطوير العمل الحكومي وتذليل الصعوبات والمعوقات التي تواجه تلك الجهات، إضافة إلى رفع مستوى التنسيق والعمل المشترك بينها، حيث شمل البرنامج عدد (24) جهة حكومية لها علاقة مباشرة بخدمة المواطنين قدمت العديد من المبادرات والاستراتيجيات الداعمة لتحقيق رؤية المملكة.
ومن الجهات الحكومية التي شملها برنامج التحول الوطني: وزارة الصحة، حيث قدمت الوزارة (18) مبادرة ضمن البرنامج بموازنة مالية تقدر بأكثر من (23) مليار ريال تتمثل هذه المبادرات أو الأهداف في توسيع مشاركة القطاع الخاص في تقديم الخدمات، وتحسين كفاءة استخدام الموارد المتاحة، وكذلك تحسين تكنولوجيا المعلومات والتحول الرقمي، وتحسين الخدمات الصحية بشكل عام من خلال التدريب والتطوير للكوادر الصحية وتحسين البنية التحتية للمستشفيات والمراكز الصحية مع تعزيز المساءلة في قضايا الجودة وسلامة المرضى.
والأهداف السابقة لوزارة الصحة في الحقيقة تعتبر في مجملها صعوبات ومعوقات وتحديات تواجه الوزارة على أرض الواقع، فهي تعاني من إشكاليات هيكلية إدارية ورقابية في نفس الوقت! فالوزارة لديها من الماضي خطط استراتيجية وسياسات وإجراءات تتوافق مع المعايير العالمية للمهن الطبية، وكذلك بالنسبة لمعايير المرافق الصحية مثل المستشفيات ومراكز الرعاية الأولية، وتوجد برامج طبية على أعلى المستويات، إضافة إلى وجود مشاريع كلفت مليارات الريالات في تكنولوجيا المعلومات والتحول الرقمي، ناهيك عن الأهداف الاستراتيجية للتدريب والابتعاث.
فجميع ما ذكر في مبادرات واستراتيجيات وزارة الصحة هي موجودة فعلا من سنوات سابقة.. فأين الجديد في هذه الأهداف؟ فالعديد من المستشفيات الحكومية بالرغم من وجود الخطط والمعايير والسياسات والإجراءات والبرامج إلا أن مخرجاتها ما دون المأمول منها، مع تقديم خدمات صحية سيئة، بالرغم من ضخامة الاعتمادات المالية المرصودة لمشاريع الوزارة.
ووزارة الصحة تعاني على مر السنين من تضخم الهيكل التنظيمي الإداري، وهذا التضخم يبدأ من الإدارة العليا في الوزارة، فهناك وظائف وكلاء الوزارة ومساعديهم ترتبط بهم تنظيميا إدارات عمومية، هذه الإدارات بحد ذاتها تمثل وزارات مستقلة بسبب ضخامتها الوظيفية، فهي تتكون من مدير عام ثم مساعد المدير العام ثم مدراء الإدارات التنفيذية والمشرفين وأخيرا التنفيذيين، ثم تأتي بعد ذلك مديريات الشؤون الصحية في مختلف مناطق المملكة والتي تعتبر كل مديرية وزارة صحة مصغرة، ثم تأتي المستشفيات بهيكل إداري مستقل ومتضخم أيضا، ولا تختلف عنها مراكز الرعاية الصحية الأولية المنتشرة في أحياء المدن والقرى، وللقارئ الكريم أن يتخيل كيف يكون الاتصال والرقابة والإشراف والمتابعة في ظل هذا الهيكل الإداري المتضخم للوزارة!
وعند مقارنة الهيكل التنظيمي الإداري السابق لوزارة الصحة بمثيلاتها في الدول الأخرى نجدها أقل بكثير من الوزارة بمراحل عديدة لا تمثل نسبة الربع منها، والسبب في ذلك أن تلك الدول تعتمد على القطاع الخاص في تقديم الخدمات الصحية للمواطنين عن طريق التأمين الصحي، لذا فإن دور وزارة الصحة لا يتعدى الإشراف فقط على تلك المستشفيات، وللأسف فإن الاستثمار الصحي في المملكة ما زال ضعيفا، والمستشفيات الخاصة الموجودة حاليا ضعيفة في إمكاناتها المادية ولا تقارن بالمستشفيات الحكومية في هذا المجال، وحتى تجربة التأمين الصحي تعاني من إشكاليات كبيرة نسبيا لا مجال لذكرها هنا.
وكما هو معلوم فإن وزارة الصحة في الماضي قلّصت دور القطاع الخاص في تقديم الخدمات الطبية، واستحدثت برنامج التشغيل الذاتي في التعاقد مع الكوادر الصحية واقتصار الخدمات المساندة (الصيانة والنظافة والإعاشة) على الشركات والمؤسسات في القطاع الخاص، وللأسف الشديد فإن برنامج التشغيل الذاتي وكذلك المشاريع المساندة تركت بلا رقابة أو مساءلة، فكثرت فيها قضايا الفساد من واسطات ومحسوبيات واختلاسات!
أما فيما يتعلق بتقنية المعلومات والتحول الرقمي، فما زالت وزارة الصحة تعاني من مشاريع إلكترونية متعثرة، فالعديد من المستشفيات ما زالت تعاني حتى من إصدار الوصفة الطبية إلكترونيا، ناهيك عن عدم وضوح الصلاحيات في استخدام البرامج الحاسوبية، الأمر الذي أدّى إلى التلاعب بالأنظمة الإلكترونية مثل نظام المواعيد وصرف الأدوية للمرضى.
أما بخصوص البرامج الصحية مثل برنامج المراجعة الإكلينيكية وبرنامج مكافحة العدوى وبرنامج الأمن والسلامة وبرامج الجودة فهي غير مفعلة في العديد من المستشفيات ومراكز الرعاية الصحية الأولية، فكما رأينا ما حدث في حريق مستشفى جازان العام، وكذلك انتشار العدوى في المستشفيات الأخرى.
والسؤال المطروح الآن: ما الذي ستقدمه وزارة الصحة من تطوير وتحسين للخدمات الصحية في "برنامج التحول الوطني 2020"؟ فقد وضعت الوزارة أهدافا استراتيجية، وكما هو معلوم فإن هذه الأهداف تتصف بالعمومية، مثل هدف "الارتقاء بالخدمات الصحية لتحقيق رؤية المواطن بتوفير رعاية راقية تفي بمتطلباته"، والمواطن يسأل: كيف سيتم تحقيق ذلك؟ وما هي الضمانات التي ستفي بذلك؟.
وزارة الصحة وضعت (18) هدفا لتحقيق رؤية المملكة 2030، وهذه الأهداف تحتاج إلى مؤشرات أداء حتى يمكن قياسها، وبال طبع سوف تكون هناك أهداف فرعية لكل هدف استراتيجي تختص بتحقيقه كل إدارة معنية في الوزارة، هذه الأهداف أيضا تحتاج إلى مؤشرات أداء.. هذه المؤشرات يجب نشرها على عموم المواطنين في وسائل الإعلام المختلفة، وكذلك نشر نتائجها أيضا تحقيقا لمبدأ الشفافية، مع وجود جهة رقابية مستقلة تتحقق من مصداقية هذه المؤشرات، وهذا ما يهدف إليه برنامج التحول الوطني وهو تنفيذ وتطبيق الخطط الاستراتيجية والتشغيلية على أرض الواقع.
أتمنى لوزير الصحة الدكتور توفيق الربيعة التوفيق والسداد في مهمته الصعبة بقيادة الوزارة نحو تحقيق الأهداف المرجوة منها.