يمكن تقسيم الأطروحات المشغولة بالشأن العام من حيث موقفها من القضايا والأحداث إلى أطروحات مشغولة بالعدالة وأطروحات مشغولة بالحشد. الأطروحات المشغولة بالعدالة تنطلق من هذا السؤال الرئيسي: أين الحق والعدل في ما يجري؟ يتبع ذلك موقف أننا مع الحق بغض النظر عمن يمثله. في المقابل أطروحات الحشد تنطلق من هذا السؤال: كيف نخدم قضايانا ونحشد لها أكبر قدر من الدعم. بناء على هذا التقسيم تنتج أنماط فكرية مختلفة لكيفية التعامل مع قضاء الشأن العام سأحاول توضيحها في هذا المقال.
القضية الأولى الناتجة عن هذا التقسيم هي الاختلاف الحاد في الحضور الأخلاقي في التفكير عند الانشغال بقضايا الشأن العام بين الموقفين. في أطروحات العدالة وباعتبار أن التفكير دائما مرتبط بالنقطة الأولى وهي نقطة تحديد أين يقع العدل والظلم والحق والباطل فإن التفكير الأخلاقي يبقى قريبا ومرافقا للتفكير السياسي والاجتماعي. التفكير النظري والعملي في علاقة جدلية مستمرة، بمعنى أن السؤال النظري يحيل للسؤال العملي والسؤال العملي يحيل بدوره مرة أخرى للسؤال النظري. بتعبير آخر فإن أطروحات العدالة بسبب إبقائها المستمر لسؤال العدالة مفتوحا فهي تيسّر كثيرا عملية النقد الذاتي لأطروحاتها الأساسية. في المقابل فإن أطروحات الحشد مشغولة بشكل رئيسي بالمهمة التنفيذية العملية. سؤال العدالة يتم حسمه مبكرا ويتم إغلاقه بعد ذلك. "نحن أصحاب الحق" هذه قضية مسلمة لدى أطروحات الحشد وكل العمل التنفيذي يتحرك باتجاه واحد في طريق تحقيق نتائج هذه المسلمة بدون العودة لمساءلتها من جديد. بل إن أطروحات الحشد تحارب هذه العودة التشككية التي يمكن أن تفتح سؤال العدالة من جديد. من يتصدى لهذه المهمة يتم اتهامه بالعمالة والخيانة باعتبار أنه بدأ يعمل باتجاه معاكس لمهمة التنفيذ. التشكك والتساؤل والمراجعة تربك أطروحات الحشد لأنها تعود بالتفكير لسؤال: هل نحن فعلا على حق؟ هذا هو السؤال المرعب لمن يريد الانطلاق باتجاه التنفيذ العملي وتشكيل فدائيين مستعدين للموت في سبيل تحقيق أجندة الجماعة. في أطروحات الحشد يتلاشى السؤال الأخلاقي في مقابل حضور قوي للسؤال الاستراتيجي. أغلب الخلافات والمراجعات التي نجدها داخل أطروحات الحشد يمكن تصنيفها ضمن الخلافات الاستراتيجية في اختيار الطريق الأفضل، ونادرا ما تصل هذه الخلافات إلى سؤال: هل نحن على حق؟ غالبا هذا السؤال تتم محاربته بضراوة وإخراجه وأصحابه من دائرة الذات إلى دائرة الآخر العدو. الصراع الطائفي الذي نشاهده اليوم بين السنة والشيعة مثال مناسب لأطروحات الحشد التي أتحدث عنها هنا تحديدا. إذن الفارق الأول الجوهري بين أطروحات العدالة وأطروحات الحشد هو الحضور المركزي للسؤال الأخلاقي في أطروحات العدالة والحضور الهامشي لذات السؤال في أطروحات الحشد.
القضية الأساسية الثانية متعلقة بدور الفرد داخل كل من الأطروحتين. أطروحات العدالة تتوقع من الأفراد التصدي للمهمة الأساسية فيها وهي مهمة بحث القضايا من منظور العدالة. في المقابل فإن أطروحات الحشد تبحث عن كوادر تنفيذية للخطة المحسومة سلفا. هنا يتحول دور الفرد إلى مجرد أداة ووسيلة لتنفيذ وخدمة الأجندة المحددة سلفا والتي يتم التعبير عنها بـ"قضايا الأمة". أحد أهم هذه الأدوار الأداتية هو دور الدعاية للجماعة. الدعاية ضرورية للحشد وكل ما تنوعت وسائل الدعاية ارتفعت احتمالات نجاح الحشد.
في أطروحات العدالة دور الفرد أوسع وأعمق وأكثر استجابة لحريته وضميره الأخلاقي. التعامل مع الفرد كأداة كما تفعل أطروحات الحشد يسلب منه قيمة جوهرية وهي قيمة الاختيار والإرادة. الأدوات تقوم بتنفيذ أهداف غيرها وهذا هو التعريف الدقيق للعبودية. من هنا يمكن أن نفهم منطلقات العنف الداخلي ضمن جماعات الحشد. لو لاحظنا مثلا المنطق الداخلي داخل أحزاب البعث والناصرية بأشكالها المختلفة أو داخل جماعات المقاومة كحماس أو الأحزاب الشيوعية في الاتحاد السوفييتي أو التيارات الشوفينية في أنحاء العالم ستجد أنها أشد عنفا على أفراد الجماعة التي تزعم الدفاع عنها من العدو الذي تحاربه. هذا العنف الداخلي ناتج عن النظرة الأداتية للأفراد. الفرد هنا أداة لخدمة الأمة وحين نعتقد أن هذه الأداة لم تعد تعمل بشكل جيد أو أنها بدأت تعمل بشكل مغاير فلا بد من التخلص منها. نلاحظ هنا أن أطروحات الحشد لا توفر في داخلها منطقا يمكن أن يعارض هذه التصرفات باعتبار أنها قد غادرت بشكل مبكر سؤال العدالة حتى تم نسيانه.
أطروحات العدالة ذاتها يمكن أن تستخدم كشعارات لتبرير الظلم. هذا صحيح وواقعي. الفرق الجوهري أن أطروحات العدالة توفر في داخلها منطق المراجعة والنقد والإصلاح. آلة النقد هذه تجعل من الجرائم التاريخية كضرب هوريشيما بالقنبلة النووية علامة خزي وعار بدلا من تحويلها إلى نصر مقدس كما تفعل أطروحات الحشد. أطروحات العدالة لا تقدم ضمانة على عدم وقوع الظلم، لكنها تقدم فرصا عالية لمنع تحويل هذا الظلم إلى حق مقدس. بمعنى أنها تعمل وبشكل مستمر على الحفاظ على التمايز بين الخير والشر وتفعيل الضمير الإنساني للتصدي لهذه المسؤولية. المشكل الجوهرية مع أطروحات الحشد تكمن تحديدا في تحييد دور هذا الضمير ورسم العالم على أنه معركة وحرب أبدية وأن كل دعوات السلم والتعاون ليست إلا ألاعيب وخدعا.