يؤكد الفيلسوف البريطاني جون ستيوارت مل، أن هنالك ميولا في أنحاء العالم إلى "بسط مفرط" لسلطة المجتمع على الفرد بقوة الرأي والتشريع على حد سواء، وأن التغيرات في العالم -في عصره- تميل إلى تقوية هذا الجانب وتنميته.

كما يميل إلى أن الأشخاص العباقرة هم أكثر الناس "فردية"، وهم أقل الناس قدرة على تكييف أنفسهم في القوالب الجاهزة التي يوفرها المجتمع على سبيل أن يوفر على أعضائه مشقة تشكيل شخصياتهم بأنفسهم، إذ يضطر الأفراد إلى الدخول في أحد هذه القوالب، ويتركوا الجزء من أنفسهم الذي لا يستطيع التوسع تحت الضغط، وبالتالي لا يكون المجتمع مناسبا لعبقريتهم.

وإن الأشياء الحكيمة والنبيلة تأتي من الأفراد، بل عادة من فرد واحد فقط.

أما الإنسان "المتوسط"، فهو الذي يعتبر أن مجده وشرفه في القدرة على اتباع تلك المبادرات، من خلال قدرته على الاستجابة الداخلية للأشياء الحكيمة والنبيلة التي ينقاد إليها بعيون "مفتوحة"، ولكن عندما يكون الرأي العام المهيمن مكونا من هؤلاء الـ"متوسطين"، فإن القوة الموازية والمصححة لذلك هي الفردية، وعلى ضوء هذا لا بد من تشجيع الأفراد الاستثنائيين أن يتصرفوا بشكل مختلف عن الجمهور، وعلى الرغم من أن تسلط الرأي العام يجعل من الفردية "إهانة"، إلا أنه من المهم أن يكون الناس متفردين، من أجل اختراق ذلك التسلط، فوجود عدد قليل جدا "اليوم" من الذين يجرؤون على التفرد، إنما هو دليل على خطر كبير في زماننا!

ويذهب جون ستيوارت مل، إلى أنه من المهم أن يعطى المجال الأكثر حرية للأشياء غير التقليدية؛ من أجل أن يظهر خلال الزمن أي هذه الأشياء يستحق أن يحوّل إلى عادات أو تقاليد، فليس هناك من سبب مبرر لبناء الوجود الإنساني على نمط واحد أو عدد قليل من الأنماط؛ فإذا ما امتلك الإنسان قدرا من الخبرة والقدرة العقلية، فإن تصميمه نمط حياته الخاص يعتبر الأفضل، لأنه نمطه هو، فالأشياء التي تعتبر عوامل مساعدة لشخص ما لتطوير وتنمية طبيعته العليا، قد تكون هي ذاتها عوائق بالنسبة لشخص آخر، وهنا تكمن أهمية الاختلاف، إذ لا يمكن لمجموعة مختلفة تماما من النباتات العيش في مناخ واحد.

ويؤكد "مل" أنه لا يوجد مكان -عدا المؤسسات الرهبانية- لا يُعترف فيه بتنوع الأذواق، ولكن الرجل -وأكثر من ذلك المرأة- الذي يمكن اتهامه إما بفعل "ما لم يفعله أحد" أو "عدم فعل ما يفعله الجميع"، هو أمر يدعو إلى معاملة الشخص وكأنه قد اقترف جنحة أخلاقية!. وإن تسلط "العادة" هو العائق الذي يقف أمام التطور الإنساني، وعلى كل حال فالمبدأ التقدمي هو مبدأ معادٍ لمبدأ العادات والتقاليد، وإن أي شعب يمكن أن يكون تقدميا لفترة من الزمن، ثم يتوقف عن ذلك، ولكن متى يتوقف؟ عندما يكفّ عن امتلاك الفردية.

وأخيرا، بدا "مل" في تشخيص حالة فقدان الفردية والاختلاف معتبرا أن التوسع في التعليم يحجم الاختلاف، كما أن التطور في مجال وسائل الاتصال يتيح لسكان المناطق البعيدة التماس بين بعضهم البعض، وبالتالي خلق حالة من التغير السريع، وأن نمو التجارة والصناعة يسهم في تذليل الصعوبات وإتاحة الطموح للتنافس العام، حيث لم تعد الرغبة في الاتقاء محصورة على طبقة بعينها، بل في كل الطبقات، وأن مزيدا من هذه التأثيرات يجعل الناس متشابهين وفاقدين ميزة الاختلاف؛ مما يصب في خانة معاداة الفردية، وبالتالي قد يعتبر الاختلاف تمردا لا أخلاقيا -بل سمة وحشية معاكسة للطبيعة- وهنا يصبح الجنس البشري غير قابل لاستيعاب وتقبّل التنوع عندما لا يكون قد اعتاد على رؤيته.