"وإنما الشعر لب المرء يعرضه

على المجالس إن كيسا وإن حمقا

وإن أشعر بيت أنت قائله

 بيت يقال، إذا أنشدته، صدقا"

الإبداع المؤدي للنجاح عادة ليس عملا فرديا بل نتيجة حماس وجهد جماعي، وقد سُئل أحد الفنانين الذين يمثلون جيل الرواد في التمثيل عندنا عن سبب غيابه عن الأعمال الحالية، فقال وهل ترون أعمالا تناسبني اليوم؟!

هذا الفنان كان يعبر عن غياب الدور المكتوب له، هذا التغييب للفنان تحدث عنه وأفاض بشكل جميل الفنان أسعد الزهراني في حديثه مع الشريان، مبينا ما معناه أن هذا دور الكاتب الذي يختاره له ولن يملي كفنان على الكاتب أن يفعل.

أظن أن من أكبر مشاكل الفن العربي غياب النص الجيد الذي يهتف المشاهد بأنه نص صادق التعبير؛ وهذا عكس ما يحدث اليوم، فنجد كثيرا من السخط على أعمال فنية لأنها لا تمثل الواقع أبدا أو لأنها تنقله مشوها على الأخص كثير من مسلسلات الخليج التي اعتمدت العنف والمخدرات والصفعات المتلاحقة باسم الفن!

وكأن هذا الفن يصر أن يكون مستندا تاريخيا مضادا للواقع فنقول هذا كذب أو لا يمثل من ينطق باسمهم!

المطرب ليس شاعر الكلمات، مع أنها تنسب إليه أكثر مما تنسب إلى صاحبها، وكم فاجأنا معرفة كاتب الكلمات بعد سنوات لم نهتم إلا أن ننسبها لمطربها؛ ومع أن الكلمات الجميلة وراءها شاعر مبدع إلا أن هذا الإبداع لا يصل إلا جمهور واسع إلا بتكاتف الصوت واللحن، وكذلك ثنائية الممثل والكاتب الجيد.

الصدق الذي أشار إليه الشاعر في عتبة مقالتي هو الصدق الفني الذي يتبع الحلقة الجيدة أو الفيلم كما يتبع البيت الجميل، وما ذلك إلا نقل الواقع والإحساس بشكل جميل مهما كان يحمل من مبالغة أو خيال فني.

حلقات مسلسل سيلفي تكشف هذه المشكلة بشكل واضح في جانبين: الأول تفاوت مستوى الحلقات من كاتب لكاتب، بل أحيانا عند الكاتب نفسه؛ والثاني غياب أو تميز النهاية، فحلقة انتهت بتسمية الشارع بعد نزاع باسم زميلنا الراحل عبدالرحمن الوابلي "رحمه الله" كانت تحمل عمقا في الإهداء لرمز كان يكتب لسنوات بشكل مميز، خاصة للفن، وعمقها الآخر أننا لا نملك أكثر من تسمية شارع من آلاف الشوارع لا أكثر.

لعلنا في تحولاتنا الثقافية نسمي المتاحف، متحف حمد الجاسر أو مكتبات الأحياء بمكتبة محمد الثبيتي، أو مراكز الأحياء الحضارية مركز عبدالرحمن الوابلي الحضاري، خاصة الأقرب إلى بيوتهم ومدنهم؛ وهي أمنية ليست صعبة المنال.

من الحلقات الجميلة في سيلفي حلقة نسف التي وحد فيها الفن السني والشيعي ممثلا في وطني الحبيب بصوت طلال، ورغبات الشباب البسيطة في حياة حلوة مسالمة ومواجهة الحقائق ورفض القيام بتفجير المصلين، وهي تحمل رسالة هامة للذين انجرفوا للصراع الطائفي، أن للوطن بيننا مشتركات واحدة هي الأهم.

أيضا حلقة العنصرية الموجهة ضد الأبيض كانت غريبة وطريفة وعميقة جدا، مع ما صاحبها من توظيف الغناء والإبداع في خدمة التميز، وهو عكس ما يطرح فعندما أبدع القصبي في السامري بدأ قبول لونه الأبيض!

هذا يضعنا عند مفارقة أزلية مرّ بها الفن في أماكن كثيرة؛ فالفنان الذي يضحك أو يطرب الناس قد لا ينال التقدير، بل الأدهى أنه يقصى من المقربين!

مسلسل ساق البامبو تأليف سعود السنعوسي اختار المنتجون رواية فازت بجائزة البوكر، ومع أن تحويل رواية إلى مسلسل أو مسرحية أو غيرهما هو عمل مستقل كثيرا عن العمل الأول، إلا أن اعتماد نص جيد كمنطلق للعمل

هذا العمل أراه من أفضل الأعمال المقدمة، لأن وجود الرواية التي بني عليها العمل ساعد في تقديم مشكلة حقيقية.

ونجا العمل من كثير من التشنج والصراخ الفارغ الذي لا يملأ مساحة الإبداع، بل وأصبح اسم عيسى وأسرته مثيرا للجدل، ويطرح الصدق الفني للعمل سؤالا هل الطاروف فعلا عائلة ما مقربة من السلطة، أم مجرد أسرة بسيطة من الأسر التي احتارت بين قيمتين: المال والنسب مع دخول العنصر غير العربي لأدق خصوصيات الحياة عندنا وما صحبه من إشكاليات.

هذان نموذجان للأعمال الخليجية والعربية التي تحشد للمشاهد في رمضان، مع أن بالإمكان أن تكون في شعبان أو شوال، لكنها تستغل فترات ذهبية تجتمع فيها الأسر وتفرض عليهم متابعتها، وتحظى بالنجاح إن كانت جيدة وتخفق إن فشل الكاتب أو الممثلون.

خلاصةً لما سبق، يحتاج الفن على مدار العام إلى كاتب جيد، قد يكون عمله مستقرا على أرفف مكتباتنا يحتاج فقط إلى من يفكر من المنتجين أو المخرجين لتحويله إلى عمل مرئي، كما نحتاج أن يقترب الكاتب أيضا ويكتب للفن، ولنا في الراحل الوابلي الذي نقل كثيرا من القضايا الجدلية، وترجم أفكاره في سيلفي وقبلها في طاش، وترك نصا سيمثل قريبا فيما يصل إلى تسعين حلقة أعلن قرب تصويرها أسعد الزهراني في لقائه مؤخرا مع الشريان!.