شاعت في الآونة الأخيرة موجة حب الانتقاد. أصبح البعض ينتقد أي شيء، ويقلل من شأن كل شيء. هذه الموجة للأسف ركبها كثير من الناس، وأصبحت بوعي أو دون وعي تبث رسائل سلبية تترسخ وتتسع شيئا فشيئا وبرزت معها ثقافة السلبية.
ذلك أن الرسائل عندما يراد لها أن تحقق أهدافها يعاد تكرارها وتوليدها بصيغ مختلفة، حتى يتشربها العقل الباطن، وتصبح جزءا من قناعات الأفراد والمجتمع، وهذا ما يشير إليه علماء النفس وخبراء التربية، ويؤكدون أنك عندما تبث وتكرر رسائل فإن المتلقي يتشربها، وتصبح جزءا من شخصيته. هذه الحقيقة العلمية فطن لها الإعلام منذ عقود، ووظفها للتأثير في الرأي العام كما عرفها خبراء التسويق، واستخدموها في الترويج للمنتجات التي يعملون على تسويقها، وهو ما يقوم به كثيرون وهم يتحدثون بقصد أو بغير قصد، بإدراك لما يفعلون أو بتقليد للآخرين، واستنساخ لما يتداولون، فأصبحنا نجلد ذاتنا بذاتنا. نسخر من كل منجز، ونقلل من شأن أي مبادرة، ولا نقدر أي تميز.
إن مثل هذه الظاهرة من شأنها أن تزعزع ثقتنا في أنفسنا، وتحطم اعتزازنا بما يجب أن نعتز به، وبالتالي تفرغنا من ذواتنا، وتؤثر على هويتنا، ونكون على الدوام معجبين بكل ما هو خارجي، وبكل دخيل علينا.
لذلك، فنحن في أمس الحاجة أكثر من أي وقت مضى إلى بث الرسائل الإيجابية، وتوليدها بصيغ وأشكال متعددة، وزرع بذور الثقة في الذات، وترسيخ الاعتزاز الإيجابي بهويتنا ومكوناتنا الوطنية والاجتماعية والثقافية، والعمل على بث هذه الروح في أبنائنا وشبابنا، حتى في الحالات التي تستلزم النقد، فليكن نقدا إيجابيا معتمدا على التحليل والبحث في الجوانب التي تتطلب معالجة وتصحيحا، ونسعى إلى طرح المبادرات التي تسهم في التعافي منها، ونعزز نقاط القوة والإيجابية لتترسخ أكثر فأكثر.
فليس أصعب ولا أخطر على أي مجتمع من أن يصاب بشرخ في هويته أو ينسلخ منها وتتزعزع ثقته في ذاته.