لا أعلم لماذا لا زال النقد في مجتمعاتنا العربية يعتبر تصرفا ينم عن عدم احترام ومعارضة وربما يتجاوز الأمر لتوصيفه بالمؤامرة، ولماذا ندرّس ونوجّه منذ الصغر في المدارس وفي البيوت على أهمية الالتزام بعدم المساءلة والمجادلة، واعتبار ذلك تصرفا لا يليق بفرد، وأن من ضروريات الأخلاق أن يحترم الصغير الكبير الذي يعتبره المجتمع تلقائيا أعلم منه بحكم فارق السن، على الرغم من أن الأطفال اليوم بفعل التقنية ربما يفهمون في أمور العصر أكثر من آبائهم وأمهاتهم، إلا أن المثل القائل (أكبر منك بيوم أعلم منك بسنة) ما زال يستخدم كوسيلة لبقاء سيطرة الأكبر على الأصغر سنا كان أو مكانة اجتماعية.

أليس في هذا المنهج البالي في كثير من مكوناته سبيل لتحييد وتعطيل ملكة العقل والتفكير والتي أثبت لنا التاريخ أنها الأسس التي تقدمت بها الشعوب والأمم الإنسانية عبر التاريخ الطويل؟ ألم يكن الأنبياء عليهم السلام جميعا يتساءلون ويبحثون عن الأجوبة الصحيحة حول عظمة الخالق واتساع الكون وانشغالهم الدائم في التدبر بالخلق والمخلوقات؟ الم يقل ديكارت (أنا أفكر إذاً أنا موجود) ليؤكد أن وجود الإنسان مرتبط بقدرته على التفكير وبالتالي الاعتراف بأهمية مخرجات ذلك التفكير من نقد وتشكيك ومساءلة واعتراض، وهل كان بالإمكان أن يكون لدينا نظريات علمية وفكرية وفلسفية لو لم يكن هناك سجال ونقد وتمحيص لهؤلاء العلماء الذين أثروا التاريخ والبشرية بأفكارهم واكتشافاتهم.

هناك فرق بين النقد لأجل الوصول إلى اتفاق وبين النقد بهدف النقد، فمن أراد الانتقاد لمجرد المخالفة في الرأي فهذا باللهجة العامية يسمى (استعباط)، أما المناقشة المبنية على التحليل المنطقي وتقديم الأدلة وإثبات الرأي بالاستشهاد بالبراهين المثبتة فذلك هو قمة الحوار الحضاري.

أصحاب التوجه المناهض للنقد الاجتماعي يعملون على تجريم هذا التوجه من منطلق أن من هم أكبر منا أعلم بأمور دنيانا وديننا، ولا يتورعون في تسميه النقد والنقاد بأنهم سفسطائيون في حين أنهم يجهلون حقيقة السفسطة التي أسيء إليها باعتبار السفسطائيين أوائل من استخدموا الفلسفة كرياضة عقليه تنمّي في الإنسان حركة التفكير وتبني أسس المحاججة بالمنطق. أعطوا المجال للأطفال بأن يعبروا عن نقدهم ومخالفتهم وعلموهم أسس بناء الحجج والإثبات المنطقي، فربما مع الوقت سيقبل المجتمع حقيقة أن النقد ليس معارضة، والمطالبة بالإصلاح ليس تمردا على المجتمع.