هل من السهل أن يتهم رجل بالتخنث لمجرد حمله مظلة يتقي بها حر الشمس أو رطوبة المطر!
نعم، بل كان هذا الأمر هو السائد في أوروبا كلها منذ عصور الإغريق وحتى القرن الثامن عشر!
فرغم معرفة الأوروبيين القديمة بالمظلة إلا أن الرجال كانوا محرومين من استعمالها، فقد كان امتيازاً نسائياً خالصاً. لا يدرَى على وجه الدقة كيف نشأ وتمدد ذلك الاستهجان في الذهنية الأوروبية، ولكن قصة زواله معروفة وموثقة تقريباً. فالفضل يعود في هذا إلى (جون هانوي) الذي بدأ شبابه تاجراً في بلاد شرق آسيا قبل أن يعود في الأربعين من عمره ليستقر في لندن.
أصر هانوي على اصطحاب مظلته معه كل ما خرج من منزله، بصرف النظر عن حالة الجو حين خروجه. لم يكن تصرفه ليمر دون أن يبدأ المجتمع في عقابه، فاتهمه رفاقه صراحةً بالتخنث، وكان يتعرض شبه يومياً لسخرية المتسكعين في الطرق منه، بل أن مد الأيدي إليه بالأذى كان وارداً أيضاً. تعود أيضاً على إساءات سائقي العربات الذين يتعمدون أحياناً أن يدفعوا عرباتهم نحو برك المياه لنثرها عليه إذا مروا بالقرب منه، لا سيما أن حساسيتهم منه مدفوعة بعامل مصلحي أيضاً، فلجوء الرجال إلى عرباتهم كان الوسيلة المثلى لاتقاء المطر في تلك الأيام. وبما أن هانوي كان من الطبقة الميسورة فقد كان هذا متاحاً له، ولكنه لم يكن ليخون قناعته ويفعل ذلك. استمر هانوي بحمل المظلة طيلة ثلاثين سنة، بدأ الرجال فيها بالتدرج في قبول تصرفه حيث اقتنعوا أن شراء مظلة واحدة أيسر من دفع أجور سائقي العربات كلما أمطرت السماء في لندن.
لم يمت هانوي قبل أن يرى انتشار المظلات بين الرجال في إنجلترا، واختفاء نظرات الاتهام والاستهجان التي كان يعهدها كلما حمل مظلته في السابق.
ما فعله هانوي شيء يستحق الاحترام بالفعل، فالتماسك الهادئ الذي أبداه تجاه قناعته يكفي لنرى ذلك وإن لم يكلل مبتغاه بالنجاح كما حدث في قصته. ولكن أهم ما لفتني بهذه القصة، هو إمكانية اعتبارها نموذجاً لقابلية المجتمعات لحمل أفكار اعتباطية لقرون طويلة دون أن تقوم على مستندات من الطبيعة أو المنطق، وحتى لو تصادمت تلك الأفكار مع منافعها العملية الواضحة.
قد يطلع أحد القراء على هذه القصة اليوم ليسخر بعدها من حمق تلك المجتمعات، وستكون سخريته مبررة إذا كان قد عاش بالفعل في أوساط تحترم الاختيارات الفردية، كما تحترم في المقابل التحاكم إلى المعايير المنطقية والعملية في الرفض والقبول. ولكن ماذا عن القارئ الذي يعيش كل يوم محاطاً بدوامات من المفارقات الاعتباطية، التي تحجبه عن ممارسة سلوكيات بسيطة لا تسبب الأذى للآخرين. هذه الدوامات التي ساهمت كثيراً في خلق نفسيات (مسكينة) تعجز عن المبادرة إلى فعل أبسط الأشياء لمجرد اصطدامها بأعراف لا قوام لها سوى في الصناديق الذهنية الحاملة لها. تخلق هذه الدوامات حاجزاً بين المرء وفطرته العفوية، فكثيراً ما يمتنع خريج هذه البيئات عن التصرف بطبيعته عند قدومه إلى وسط لا يعرفه، وكثيراً ما يتخشب محدقاً في سلوكيات الآخرين ليتأكد أنه لا يقترف ما يثير الاستهجان من حوله. ذلك لأنه لم يتعود في حياته على محاكمة أفعاله منطقياً بل تعود على محاكمتها عرفياً.
بما أن (العرف) ليس سوى اعتباط متفق عليه في الغالب، فإنه كثيراً ما يتنافر مع المنطق في بعض الظروف وإن اتسق معه في ظروف أخرى. لأن حامل النفسية المسكينة لا يفهم هذا فهو لا يقف في موقف الخاضع للأعراف فحسب، بل يتجاوز ذلك إلى حد الدفاع عنها في رعونة وإن اقتحم به حماسه التعدي غير الأخلاقي على الآخرين. من الممكن أن يزعم أحدهم العقلانية إزاء قصة (هانوي) فيقول وهل كانت قضيته مجدية؟ هل انتهت كل مآسي العالم في عصره ولم يبق سوى مسألة حق الرجال في حمل المظلة؟ هذا نوع من الاستدلال المقلوب في الحقيقة، لأن السؤال الأجدر بالأولوية هو: هل منع الرجال من حمل المظلة مبرراً؟ وهل حل المجتمع كل مشكلاته ليتفرغ لمحاكمة مظلة هانوي؟ عند فهمنا لقضية (الحقوق الطبيعية) أي الحقوق التي يمتلكها الإنسان بمجرد آدميته، نفهم أن المتعدي عليها هو المطالب بالتبرير وليس المتمسك بها. كما نفهم أن تحولنا من إدانة الأنظمة والمجتمعات بشأنها إلى إدانة الأفراد شكل من التحايل النفسي الذي قد يحقق نسبياً نوعاً من الإرضاء الوهمي للذات. من المفهوم أن يرفع شعار الأولويات عند الكلام عن الحلول، ولكن من غير المقنع رفعه عند الكلام عن الحقوق.
لقد كانت قناعة هانوي تستحق الذي فعله كما أن فعله يستحق التقدير، فالمعاناة المجانية غباء، والغباء المشرعن جريمة، والتماسك أمام الجريمة بطولة.