عندما وضع الزميل خلف الحربي، والفنان الجميل ناصر القصبي، سيناريو فكرة الدكتور الراحل عبدالرحمن الوابلي عن حلقة "صعصعة" في مسلسل "سيلفي2"، لم يخطر في بالهما كيفية إسكات هؤلاء الجيران المعارضين الذين يذهبون إلى مقر البلدية فقط من أجل الشكوى ضد مبدع راحل تم إطلاق اسمه على شارع في حيهم. لو كنت مشاركا في سيناريو الحلقة لاقترحت عليهم تسمية مطبات الشوارع بأسماء كل الجيران المتشددين لإسكاتهم، في إشارة رمزية إلى سلوك هؤلاء الذين يعرقلون مسيرة التنمية في البلاد.
أذكر أنني عندما كنت في الولايات المتحدة الأميركية، وبالتحديد في كاليفورنيا كانت ابنتي تدرس في مدرسة تحمل اسم المخترع العبقري توماس أديسون، ومن خلفها شارع أديسون، وكذلك لو ذهبت وتجولت في مدينة قرطبة الإسبانية ستجد اسم Averoues في كل مكان: مدرسة Averoues، وجامعة Averoues، وميدان Averoues، ومركز تجاري Averoues.
السؤال: من هو Averoues الذي يعم اسمه معظم أرجاء المدينة؟ إنه اسم العالم العربي المسلم ابن رشد، فيلسوف وطبيب وفقيه وقاض وفلكي وفيزيائي أندلسي، ويعد أحد أعمدة التنوير والعقلانية، ومنذ عصره كانت قرطبة عاصمة الفكر ومنارة التنوير للعالم كله، من القرن الـ9 إلى القرن الـ13، وما كان الإنسان يعد مثقفا في تلك الفترة إن لم يكن يعرف العربية، وقد احتفى به الغرب لإسهامه في نهضة أوروبا وصناعة حضارتها، حين شرح لهم فلسفة أرسطو.
انطلق ابن رشد يكتشف ويخترع ويبدع، ويصنع المعجزات العلمية والحضارية التي نقلت البشرية نقلة نوعية مختلفة عن الحضارات السابقة، هذا التنوير هو الذي جعل الحضارة المعاصرة حضارة استثنائية، تلك الحضارات التي كانت في ماضيها تستعبد الإنسان وتطمس فرديته، ليكون نسخة مكررة لثقافات تهتف للسائد وتتعصب للمألوف وتقاوم التغيير. أما لماذا حاربه المسلمون ونفوه وحرقوا كتبه وتراثه؟ فلأنه كان دائما ما يفكر خارج الصندوق، ولهذا ذبحوا تاريخه واغتالوا إرثه، لأنه ارتكب جريمة التفكير في مجتمع يكره التفكير ويمقت العقل، فرماه الجهلاء بالكفر والزندقة.
عودة مرة أخرى إلى حلقة صعصعة للدكتور الوابلي "رحمه الله"، وكأنه يريد القول إن ما تعانيه مجتمعاتنا من ظواهر التطرف الديني والمذهبي والتعصب والعنف والكراهيات المتبادلة، كل ذلك يرجع إلى تهميش فكر التنوير عن منابر التوجيه والتثقيف، ومن ناحية أخرى فإن الفكر التنويري لا يجد بيئة حاضنة ولا سندا ولا دعما، في الوقت الذي يجد الفكر المناوئ للتنوير منابر وفضائيات ومنتديات وجماعات وأحزاب تدعمه وتروج له، وتشحن قلوب وعقول الناشئة والشباب بفكر الكراهية للآخر، وتقديس الأيديولوجية التابعة لها. ولذلك ثارت ثائرتهم عندما سمعوا أسماء الراحلين أمثال: غازي القصيبي، ومحمد الثبيتي، وطلال مداح.
أخيرا أقول: إن نشر فكر التنوير يجب أن يكون مهمه أولى من مهام المفكرين والمثقفين والإعلاميين والفنانين، ولهذا أدعو وزارة الشؤون البلدية والقروية إلى تسمية الشارع الذي يقطن بجانبه الدكتور الراحل عبدالرحمن الوابلي باسمه في شمال الرياض، تخليدا لهذا المفكر العظيم الذي كانت آخر تغريداته على "تويتر" في 29 يناير الماضي: "حفظ الله وطننا من كل مكروه".