الخبر الذي تم تداوله قبل أيام عن الإمساك بعدد من المتسولين بحوزتهم 16 مليون ريال، لا نعلم أهي غلّة يومٍ أم أيام من التسول؟ لكننا نعلم أن هذا المبلغ ضخم جدا؛ ولو سرحنا بخيالنا لفكرنا في استغلاله لشراء وحدات سكنية بقيمة مليون ريال للوحدة، وأسكنا 16 أسرة لا تملك ثمن الإيجار، أو لو كانت الوحدات شققا ربما نسكن قرابة الـ50 أسرة طول العمر دون كفيل غارم لنسعدهم؛ بل لو شاءت وزارة الإسكان حل مشكلتها، فالحل بيد أسود التسول بضع سنوات تطلق فيهم متسولين يلبسون نقابات في كل حارة وتنتهي مشكلة الإسكان بسرعة البرق! لو رفضت وزارة الإسكان الحل وقررنا أن نشتري مدارس من وزارة التربية، أظن الـ16 مليونا تشتري 16 مدرسة كل مدرسة تابعة لمكتب توجيه من مكاتب التوجيه التي عددها 16 مكتبا نسائيا في مدينة الرياض، لأن التعليم يرغب في بيع مدارسه لدواع غير معروفة!

ولو لم نستثمرها في التعليم الذي يوعي الناس للفرق بين المرأة والرجل المتشبه بها، فلنوجه الـ16 مليونا لمشاريع لتنمية الأحياء أو البيئة وإعادة التدوير التي تسيطر عليها العمالة.

يمكن أن نضع 16000 صندوق لتدوير الورق أو الزجاج أو أي مخلفات يمكن الاستفادة منها على افتراض أن تكلفة الصندوق ولوازمه 1000، لكنها ستدر دخلا جيدا تتضاعف ملاييننا بسببه!

مهلا، لم نؤمن بعد بالتدوير، فالأولى البحث عن مصرف آخر لهذه الملايين يخدم المجتمع الذي سرقه هؤلاء المتسولون في ثياب النساء!

يمكن أن نضع هذه الملايين لمساعدة الشباب الراغبين في الزواج، ولو افترضت أن كل شاب سيحصل على 30 ألف ريال هبة أو حتى على شكل قرض، فسيمكننا مساعدة أكثر من ألف شاب وشابة لا يقدرون على مصاريف الزواج، ويمكن أن يبقى المبلغ ويستمر قرضا حسنا لا ينتهي.

لو فكرنا أن نبني مستشفى، أو نسهم في ترميم مستشفى قائم، أو لو شئنا أن نشتري حافلات مكيفة نمنحها لسائقي حافلات خط البلدة التي عفا عليها الزمن، أو حافلات تنقل المصلين من وإلى المساجد البعيدة في القرى والمدن المترامية الأطراف. الحلول لا تنتهي، وما أسهل إنفاق المال بنزاهة، بعيدا عن لوحات وتوجيهات نزاهة التي تشبه رمي البذور في الصحراء بانتظار مواسم الزراعة المطرية.

المهم، من أين حصل المتسولون المتجولون في صورة نساء بالشوارع على كل هذا المال؟! هل هي صدقات أم زكاة تكاسل أصحابها عن إيصالها لمن يستحق وآثروا إعطاءها أقرب سائل؟! هل هو تعاطف وإنسانية لم تفرق بين المرأة والرجال المتلبسين بلباس النساء؟

هذه الملايين تكشف أننا أمام أكثر من مشكلة، منها أننا نملك قدرة مالية ورغبة في عمل الخير نهدرها على متسولين في الشارع، لا نعرف حقيقة وضعهم المالي ولا حاجتهم الحقيقية، رغم التحذيرات الحكومية ورغم ما نسمعه من قصص، كذلك الذي تسول وأهدى زوجته أو خطيبته سيارة بمئات الآلاف. الأمر الآخر، أننا لا نتعامل مع قنوات الصدقات الإلكترونية التي سهلت لنا التبرعات في كل مكان عبر أجهزة الصرافات والبنوك، وحتى أثناء شراء المستلزمات من الأسواق المركزية يمكن فعل ذلك، وغيرها من وسائل.

الأمر الأخطر، الوعي وتصور مصير هذه التبرعات، فقد تقع في يد خطأ، وأكبر دليل أنها وصلت إلى ملايين وما زال جمع المال والتسول مستمرا، علما بأن هذه المبالغ كونت ثروة للمتسولين، فلماذا يستمرون؟ لا شك أن هناك أهدافا عظمى، تخيلوا معي أنها ستتحول إلى أسلحة وذخيرة تمد جيش الحوثيين أو تدعم أحزمة الإرهابيين الناسفة، وأنك أيها المتصدق الذي تمثل الوطن تدفع ثمن ما يقتل شبابنا المرابطين على الحدود، أو يفجر مساجدنا ويقتل المصلين، وتكون صدقاتنا وبالا علينا، لا قدر الله!

هل تذكرون صناديق التبرعات التي كانت تنتشر في كل مكان، ونضع ما نملكه فيها بكل سماحة دون أن نعي أنها لا تتبع جهة خيرية، وحتى ظهر لنا أنها استغلت ثقتنا العمياء لتصبح خناجر تطعن في خاصرة المسلمين!

سأعود إلى سخرية مرّة وأقول: لو علم أهل الملايين أنها ستتحول إلى شراء آلات موسيقية أو حتى لوحات فنية أو كتب اقتصاد  أو حتى روايات وشعر أو ألعابا للأطفال، فهل سيقبلون أن يحدث هذا؟ كيف قبلتم ما حدث ونسيتم أنها لو تحولت إلى رصاصة ستقتل أحد أحبابكم، بينما الفنون والآداب لا تفعل؟!

ليس هذا المقال عن التحذير من البر والإحسان، بل هو دعوة إلى البحث عن المستحقين الذين لا يسألون الناس إلحافا. المتعففات في بيوتهن لا المتسولون المرتدون لباسهن، هي دعوة لتتبنى جهة متابعة أحوال هؤلاء وتقديم المساعدة لهم

إن كانوا في حاجة إليها، وتمنعهم من التجول في شوارعنا بحرية، وتجرم هذا الفعل بعقوبة تقضي عليه أو تحد منه.

ختاما، أقترح توجيه هذا المبلغ، وكل ما يتم تحصيله من المتسولين، إلى هيئة الترفيه أو جهات فنية وثقافية، تنفقه عل تنمية الوعي وتحسين الذائقة، لنعرف المستحق من المتحايل.