دائما ما تفرض الأوضاع الاقتصادية نفسها على علاقات الدول وسياساتها فيما بين بعضها البعض. فالقوة الاقتصادية هي إحدى مظاهر النفوذ العالمي. ولذلك نجد أن المصالح الاقتصادية الفردية والجماعية هي ما يحرك عجلة الشد والجذب بين الدول العظمى، بدون الالتفات إلى مصالح الدول الصغيرة أو النامية، والتي عادة ما تنضوي في معسكر إحدى الدول العظمى وتحذو حذوها في سياساتها الاقتصادية.

نجد في التقارب البريطاني الفرنسي في مجال التعاون العسكري خير مثال على اشتراك المصالح الاقتصادية في الآونة الأخيرة. فالاقتصاد البريطاني يدخل مرحلة قد تطول من التقشف المالي وتقليص الميزانيات العامة وتخفيض الكثير من الخدمات المقدمة للمواطن. كذلك الاقتصاد الفرنسي الذي أقر مؤخرا قانونا لرفع سن استحقاق كامل المعاش التقاعدي لمواجهة زيادة نفقات الخزينة. هذه الضغوط الاقتصادية دفعت الدولتين إلى الاتفاق على التعاون في أحد أكثر المجالات حساسية وسيادية وهي استراتجيات الدفاع والقطاعات العسكرية. فمع ضرورة تقليص نفقات الموازنة العامة، ستكون ميزانية الدفاع الأكثر تضررا، مما سيؤثر بشكل كبير على قدرات ونفوذ القوات البريطانية والفرنسية. ولكن حتى تتمكن الدولتان من الاحتفاظ بنفس مستوى الفعالية العسكرية بنفقات أقل، فقد اتفقتا على التعاون العسكري المشترك في الخدمات اللوجيستية خصوصا، كالاستخدام المتبادل لحملات الطائرات، وتنسيق منظومة القوى النووية.

على الرغم من أن الاتفاق يمس أكثر الجوانب السيادية، إلا أن بريطانيا وفرنسا تمكنتا من تقليص النفقات والاحتفاظ بنفس مستوى الفعالية العسكرية. أستغرب عدم تمكن الدول الصغيرة والناشئة من الاتفاق على أمور أقل حساسية وسيادية من التعاون العسكري، خصوصا في تبعات الأزمة الاقتصادية العالمية. فالتعافي السريع في اقتصادات هذه الدول لن يكون مستداما إن لم توحد جهودها وأجنداتها الاقتصادية في مواجهة القوى العظمى.

واليوم يطغى موضوع حرب العملات على اجتماعات مجموعة العشرين، وتتبادل القوى الرئيسية على جانبي الطاولة الاتهامات، ولكنها في نفس الوقت تحاول الاتفاق على ما لا يضر مصالحها. لكن هذا التفاعل يغفل ويتجاهل الدول الصاعدة التي هي الأكثر تضررا من اندلاع حرب العملات، كونها ستؤجج الارتفاعات في أسعار الأصول وبالتالي التضخم، بالإضافة إلى أنها تضع أثقالا على قدراتها التنافسية، وبالتالي ستتراجع صادراتها.

لذا يجب على الدول الناشئة إعادة تشكيل تحالفاتها الاقتصادية بعيدا عن الدول العظمى لتحقيق مصالحها المشتركة في استمرار الأداء الاقتصادي الجيد، ونحن في وضع أفضل من دول كبريطانيا وفرنسا، وبإمكاننا تعظيم العائد الاقتصادي بتوحيد مصادر ثرواتنا. بهذا الشكل يكون لنا وزن أثقل يمكننا من مقابلة الدول الاقتصادية العظمى، بدلا من الانضواء تحت ألويتها واختزال مساهمتنا في الاقتصاد العالمي.