ليس من الحكمة دعوات الحوار بين السنة والشيعة في هذا التوقيت بالذات، فكل دعوة إلى غير التعايش والقانون هي دعوة انقسام وتشرذم وفرقة، لأن الانقسامات المذهبية موجودة منذ القرون الأولى، كما أن الاختلاف سنة كونية لا يمكن القضاء عليه، ولا حمل الناس على رأي واحد ومذهب واحد وعقيدة واحدة، بقدر ما يمكن تنظيمه ووضع حد فاصل بين ما يجوز وما لا يجوز فيه، علاوة على أن الخلاف الذي لم يُحسَم منذ مئات سنين وفي زمن كان التعايش فيه موجوداً بدرجة أكبر بين السنة والشيعة، يصعب أن يُحسَم في وقت سُيِّس فيه الدين، وصار في خدمة السياسة، فكل فريق سياسي أحاط نفسه بمجموعة من الفقهاء والدعاة ورجال الدين الذين يفتون بحسب ما يُطلَب منهم، وكلما أراد السياسي أن يصطاد في وحل الطائفية عمل على تعكير الأجواء من خلال فتوى أو دعوة أو بيان، كما حدث مع الإرهابي في البحرين عيسى قاسم عندما دعا أنصاره إلى سحق رجال الأمن بتوجيهات تأتيه من أطراف خارجية.
فحين تدخل السياسة في الدين لا يكون للحوار معنى، بل تكون في الغالب نتيجته كارثية، فتشكيل ميليشيات الحشد الشعبي في العراق جاء على خلفية فتوى الجهاد الكفائي التي أطلقتها المرجعية الشيعية في النجف بعد سيطرة داعش على مساحات واسعة في عدد من المحافظات الواقعة شمالي بغداد، على الرغم من وجود الجيش العراقي! كما أن تشكيل هذه الميليشيات وآلية عملها يشبه إلى حد كبير تشكيل حزب الله في لبنان وجماعة الحوثيين في اليمن، فهي قد أُسست لأهداف سياسية غايتها خدمة مصالح الغير على حساب الوطن وأمنه ووحدته، بعدما أُلبست ثوب الدين والدفاع عن الأماكن المقدسة لدى الشيعة لتمثل جذباً للبسطاء، وليتم تسخيرهم في خدمة مصالح سياسية هي أبعد ما تكون عن الدين، فأي دين يدعو إلى الانتقام وقتل الناس الأبرياء أو التمثيل بهم أحياء أو بعد موتهم هو دين مزوَّر لا علاقة له بالرحمن الرحيم.
مشكلة الحوار بين السنة والشيعة أنه لا يبحث عن المشتركات وتعزيزها، بقدر ما يبحث عن الخلافات وتعميقها، كما أن كل طائفة تريد إثبات أن الطائفة الأخرى على خطأ، وأن الحوار لا يمكن أن ينتهي باحترام كل فريق لخيارات الآخر، فهو يتم بطريقة إما أن تقبل وإلا أُقيمت عليك الحجة، وكل فريق يرى أن الآخر إذا لم يذعن لأدلته الدامغة وحججه الواضحة – من وجهة نظره - فهو غير معذور، وربما يكون ذريعة إلى تكفيره وإقامة الحد عليه، بل قد يكون مقدمة لما يأتي بعده من خطوات عملية يتحول فيها الفكر من التنظير إلى التطبيق، وهو ما قد يبرر للمتشددين القيام بالتنفيذ على المستوى الفردي عندما يعتقدون أن الدولة قصرت فيما يرون أنه الحق.
ولذلك فالأولى أن تكون الدعوة إلى التعايش لا الحوار، وأن يكون الوطن هو النخلة التي يتفيأ ظلالها الجميع، فالأوطان من طبيعتها التنوع والتعدد والاختلاف، كما يُفترَض أن يكون الناس فيها متساوين من حيث الحقوق والواجبات، والقانون هو الفيصل بينهم، وإن أولئك الذين يريدون فرض لون واحد، ولا يرتضون التعايش إلا مع من يشبههم في كل شيء، فلا ريب أنهم يبحثون عن أوطان فاشلة شبيهة بأفغانستان والصومال والعراق، ينعدم فيها الأمن وتتناحر فيها الطوائف والجماعات، ثم يتمترس كل فريق خلف جماعته ومذهبه، وأعتقد أننا سنتعلم الكثير إذا لاحظنا أن من يقود العالم حالياً هي دول بطوائف وأعراق وديانات متنوعة، في حين أن دولاً ذات دين واحد ولغة واحدة تأتي في ذيل القائمة، ويكاد يقتلها الجوع والفقر والمرض والجهل والتخلف فيما هي مشغولة بتكفير بعضها، بعد أن حجز كل فريق فيها الجنة التي عرضها السماوات والأرض له وحده، وترك للباقين النار التي وقودها الناس والحجارة!
أعتقد أن من الواجب على الدولة أن تعمل على تعزيز الوحدة الوطنية، وذلك بالمسارعة في استصدار القوانين اللازمة لصونها ومنع المساس بها، على أن تتناغم مع هذه القوانين جميع مؤسسات الدولة، وذلك بإعادة صياغة أنظمتها وقوانينها وتشريعاتها بما يضمن عدم التعارض معها، فالتعليم مثلاً يجب أن ينأى بنفسه عن تدريس الخلافات والانقسامات الحادة بين المذاهب الإسلامية، وذلك بأن تتناول مقرراته التعليمية موضوعات عامة تكون محل اتفاق بين جميع طوائف المسلمين، كما أن المفترض على وزارة الأوقاف أن تنبه الخطباء والمحاضرين إلى أهمية أن يكون خطابهم موجهاً إلى جميع المسلمين دون همز أو لمز أو دعاء على بعض الطوائف الإسلامية، على أن يعد الخروج عن هذا النهج جريمة يعاقب عليها القانون، فإن الله يزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن.