أما العنوان بعاليه فهو اقتباس وتحوير لمقال استثنائي انتشر ما قبل الأمس على مواقع التواصل الإلكتروني تحت عنوان (قبل أن يقتلني ابني)، وهو بالنسبة لي واحد من أجمل ما كتب حول قصة أسرة الرياض الدامية الأخيرة. أما (خلدون) فهو ابني الأصغر الذي طالما كتبته هنا بضع مرات، وفي كل مرة أكتبه خوفاً من هذا الاختطاف الفكري الذي نعيشه بكل هذه البشاعة. أنا لا يمكنني أبداً تصديق حكاية الغزو العقلي عبر الإلكترون إلى مثل هذه الدرجة. لا يمكن لي أبداً أن أقتنع بحكاية اللعبة الإلكترونية التي تخترق عقل شاب أو طفل ثم تتدرج معه إلى إقناع "توأمه" الآخر ليستلا الساطور ثم يقتلان من: والدتهما على مشارف السبعين سنة، ثم يأتي الدور من بعدها على الأب والأخ. لماذا اخترت "خلدون" بالذات كي أسائل هذا الوهم والعبث وأشكك بمثل هذه النظرية؟ اخترته لأن كل تفاصيل الكذبة الكبرى في الغزو عبر ألعاب الإلكترون تنطبق عليه حذو القذة بالقذة. هو طفل في الثالثة عشرة من العمر. هادئ خجول ونادر جداً ما يتحدث. معظم وقته، بل سواده الأغلب يقضيه في غرفته، وقد لا تصدقون كل ما حوله: يعمل كل ما يلي في نفس اللحظة: جهاز الجوال على فخذه الأيسر وفي حالة تواصل بالأزرار. جهاز "اللاب توب" على الفخذ الأيمن وأمامه "تلفاز البلاي ستيشن"، ثم يحرك الأجهزة الثلاثة بأصابعه العشر وكأنه عازف "أورج". لكننا نريد الحقيقة قبل أن تنطلي علينا الكذبة لأن أسوأ الأمراض هي تلك التي يذهب تشخيصها في الاتجاه الخاطئ. أنا أبداً لا أعتقد أن كل أجهزة الكون تستطيع أن تغزو عقل هذا "الخلدون" ليقول لأمه عُشر كلمة نابية. أنا واثق أن دماغ خلدون لن يغسل بكل منظفات مصانع الدنيا كي يصل إلى هذا الحد، ولو أن التجربة ممكنة لتبرعت لكم بأولادي الثلاثة ثم وضعت كل هذا العالم أمام التحدي "المخبري" بما شاؤوا من البرامج والأشرطة كي نكشف تضليل النظرية.

المساحة المتبقية من الخيال في تحليل هذه الظاهرة هي الغزو بأسلحة بيولوجية حيوية كيميائية صرفة. هل أستحي أن أكتب لكم أننا قد نكون ضحايا أنواع رخيصة وقذرة من المخدرات؟ وهل سيقول لي أحدكم ليس في المخدرات نوع نظيف نقي؟ أنا واثق أننا ضحايا استهداف منظم وبالغ الدقة ولربما بلغ ذروة الاختراع العلمي المخبري الصرف، كي ينتج أقراصاً تجعل من المخدرات التقليدية "موديلاً" عفا عليه الزمن. أقراص تجعل من الهلوسة والانفصام التقليدي مرضين منقرضين شأنهما شأن الطاعون والجدري. كلنا نريد الحقيقة، وكلنا خائفون وجلون من مرض اجتماعي بالغ الخطورة وخاطئ في التشخيص. كلنا هو نفس الرجل الذي كتب مقال ما قبل الأمس ولن نكذب على أنفسنا إن قلنا إننا ذات العنوان بعاليه (قبل أن يقتلني خلدون).