أيديولوجيات الحشد المشغولة بمهمة دفع الجموع في اتجاه التنفيذ العملي لأطروحاتها المسبقة تتأسس على عملية صناعة وتصميم الآخر. الآخر هنا مهمة تتولاها الذات. الآخر بهذا المعنى منتج ذاتي. الآخر "الحقيقي" تمت القطيعة معه من خلال انغلاق الذات على ذاتها بتوليها مهمة صياغة الذات بدلا من استقباله. هذه العملية معقدة لكن يبدو أن تاريخها يمكن اختصاره في هذه القصة القصيرة لولادة العنف.
تقول الحكاية: العنف يولد حين تتولى الذات مهمة تعريف الآخر. التعريف هنا يعني وضع الآخر في صورة ذهنية ذاتية. الآخر مع هذه العملية تحول إلى جملة في ذهن الذات. هذه الجملة يفترض أن تحل محل الآخر. هذه العملية تعني إغلاق الباب أمام الآخر المختلف مع "التعريف" أعلاه. الذات لا تستطيع الوجود بلا آخر ولكن لديها القدرة لصياغة آخرها والانغلاق دون الآخر المفارق لتلك الصياغة. صياغة الذات عملية إرادية وقصدية وبالتالي فهي نتيجة حسبة سلسلة معقدة من الغايات والأهداف الذاتية. الآخر هنا هو فقرة ضمن معادلة ذاتية. العنف يمكن ملاحظة ولادته مع انقطاع التواصل في المشهد التالي: الذات لم تعد تحتاج التواصل مع الآخر باعتبارها مكتفية بالآخر "الجملة/التعريف" في القاموس الشخصي.
لذا، المنغلق على ذاته لا يجيد الاستماع. الاستماع في الحسبة الذاتية عملية مربكة وغير عملية. التعريف ينوب عن الآخر والحوار يتحول إلى مناجاة ذاتية. "أعرف ماذا ستقول" هذه العبارة: هي الإعلان العالمي للانغلاق. الانغلاق هنا ليس عزلة وغيابا للآخر بل استيلاء للذات على مشهد الذات والآخر. المنغلق هنا لا يستغني عن الآخر بقدر ما يستغني عن "آخرية" الآخر. الآخر مقبول ما دام في حدود استعمال الذات. لا نحتاج هنا أكثر من تصور موقف المعلم المنغلق تجاه اختلاف طلابه. الطالب الجيد هو من يتوافق مع "تعريفات" المعلم المسبقة. الطالب الذي "يربك" تلك التعريفات يدخل في عملية طويلة ومعقدة من محاولة إيقاف هذا الإرباك وإعادة التوافق بين الطالب والتعريفات في ذهنية المعلم. هذه العملية هي ما أسميه هنا "العنف" أي رد الآخر للذات. أيديولوجيا الحشد قائمة على هذا العنف.. استعمال الآخر.
في المقابل، الآخر في منطق الضيافة ليس منجزا ذاتيا بل لقاء مفاجئ. الضيافة هي حالة من الاستسلام والانتظار. لا شيء يعبّر عن هذا المعنى أكثر من الباب المفتوح المنتظر في بيت المضياف. أو من الانفتاح المضمون للابن في قلب الأم. المضياف الحقيقي يعلن عن تخليه عن اختيار ضيوفه من خلال بابه المفتوح. الضيف هنا لم يعد عملية تنجزها الذات بل انفتاح على قدوم الآخر واستقبال له. الآخر هنا ليس منجزا ذاتيا بل اعتراف عميق بأن الآخر مفارق للذات ومتجاوز لكل مساحات صياغات الذات. ولأن الآخر في الضيافة ليس منجزا ذاتيا فالاتصال به بالضرورة انفتاح. الضيافة بهذا المعنى نقيض لعملية رد الآخر للذات. الآخر في الضيافة حدث مستقبلي لا يمكن القبض عليه. من هنا يمكن أن نعرف حساسية الضيافة تجاه طول إقامة الضيف عند مضيفه. طول الإقامة كفيل بتحويل الآخر إلى مشهد مألوف. الألفة هنا تهديد لآخرية الآخر: غيريته ومفاجأته واختلافه.
هذا التصور للآخر في الضيافة يمكن أن يفسر لنا كيف كانت الضيافة في التاريخ البشري نقيضا للعنف والحرب والعداوة. إذا كانت أيديولوجيات الحشد تشعل نيران الحروب والعداوة من خلال صياغة الآخر ذاتيا فإن الضيافة تخل ومغادرة لهذه الشرارة/ الآخر، هذا ليس تعريفا في مجال الذات ولكن غيرية مفارقة للذات. ليس أمام الذات هنا إلا إعداد فضاءات اللقاء. لذا نجد الضيافة عناية فائقة بلحظة لقاء مرتقبة. التأمل في سلوك أهل الضيافة يوضح لنا هذا المعنى. المضيف منخرط في مشهد مستمر من العناية بلحظة اللقاء المرتقبة. مجلس المضيافة الحقيقية لا بد أن يكون جاهزا باستمرار. لكن الضيافة ليست مهمة ذاتية كذلك. أهل الضيافة يعلمون أن الضيافة تبدأ من الآخر، من ثقته التي دفعت به للتوجه لبيت مضيفه. هذه الثقة هي أغلى ما يملك المضيف. كم هنا يمكن أن نفهم تكرار هذا المعنى في وصف أهل الضيافة "أنهم مقصد للضيوف". المضيف بهذا المعنى ممنون لضيفه الذي وثق به وقصد منزله وائتمنه على ذاته ومن معه. المضيف بهذا المعنى لا يمكن أن يوجد إلا بوجود الضيف. هنا الآخر يبدو مؤسسا للذات وسببا حقيقيا في وجودها.
الضيافة نقيض استعمال الآخر ذاتيا. بل إنها أحيانا تحتوي احتمال استعمال الذات من قبل الآخر. أهل الضيافة يعلمون أن الضيافة تفتح احتمال الآخر المستغل لكرم الذات. المضيف يعلم هذا تماما لكنه كذلك يعلم أن هذا الاحتمال جزء أو ضريبة محتملة للضيافة الحقيقية. الضيافة هنا ككل الأحداث الكبار تحتوي مغامرة واحتمال الانفتاح على نقيضها. بهذا المعنى الضيافة منفتحة على أطروحات الحشد كذلك كجزء من التجربة الإنسانية المعقدة. هذا الانفتاح من الضيافة هو إعداد للقاء مرتقب مع تلك الحشود للقاء الآخر بعيدا عن التصميمات المعدة سلفا. الأمل هنا شبيه بالأمل في شرارة حب تولد في معركة للقتال.