الأسبوع الماضي لم يكن مختلفا عن غيره بالنسبة لي ولجهازي الخلوي المسكين الذي أثخن برسائل النصح والإرشاد والتوعية، والبرمجة العصبية واللغوية، وطلب سداد الفواتير، وبعض طلبات العائلة، وعتاب الأصدقاء، وإعلانات التسوق.
وكانت الغلبة كالعادة لتلك الرسائل الوعظية الانقضاضية التي لا تمنحك الفرصة كثيرا للتفكير، متسببة في شل التفاعلات في جمجمتك بعد وجبة إفطارك الدسمة، وفي هذا التوقيت بالذات لن يكون لك مفر من الوقوع في براثنها، لكن أكثر ما أزعجني هو ذلك الكم الهائل منها، بمضامين رواياتها السخيفة وروابط قصصها التي أصنفها في باب الخرافات الهزلية.
لقد استغل الصحويين التقنية ووظفوها لصالحهم، بشكل مكثف وطريقة ذكية، بعكس التيارات الأخرى التي مالت إلى الظهور من خلالها كنخب متعالية على الواقع، تاركة المسرح على مصراعيه لتيار الصحوة، الذي ظهر في أثواب مختلفة وأقنعة متعددة للشارع، وهو ذكاء يحسب لها.
والحقيقة التي تبدو أمامي بوضوح دائما، هي أن المسار الصحوي لم يتغير بقدر تغييره للأدوات والإستراتيجية فقط، أما الأهداف فقد بقيت كما هي، مستترة خلف الدعوة ومصطلحاتها الدينية الواسعة، وخطابها الوجداني المدغدغ، والأمثلة على ذلك لا تنفك تغزو أسماعنا وأعيننا وأيادينا في معظم دقائق وساعات اليوم، عبر أجهزة الجوالات وبرامج التواصل الاجتماعي، ومختلف وسائل الاتصال الحديثة، فقد أظهروا تميزا واضحا على هذا الصعيد، من خلال صناعة البرامج وافتتاح قنوات الاتصال التكنولوجي، من قنوات مرئية كالفضائيات، أو المسموعة إذاعيا، أو التسجيلات، أو الرسائل المكتوبة، أو الصورة الميديوية.
قياسا بـ"الخيابة" التي ظهرت على تفاعل بقية التيارات والبرامج الثقافية الأخرى في الشارع العربي، فكرية أو سياسية أو اجتماعية أو ثقافية من المحيط إلى الخليج، على الرغم من المساحات الجيدة المتاحة لها في عدد لا بأس فيه من الشوارع العربية، إلا أنها فضلت الانطواء والتواري عن المشهد العام، مفضلة العمل كمشاريع صغيرة منفردة بأنانية، حتى وهي ترى تساقط بعضها واحدا بعد آخر، أو تراجع شعبية المشاريع التنويرية التقدمية الأخرى، مقابل المشاريع الراديكالية الأخرى، في موقف يدعو بالفعل للاستغراب.
وهذا من وجهة نظري مؤشر على انكسارات متوالية لتلك المشاريع النخبوية، كنتيجة حتمية للفردية التي طبعت حركتها وبرامجها منذ اليوم الأول لظهورها.
وهو على العكس مما حدث من روح صاخبة لمجاميع المنتمين للصحوة، التي ذهبت بعيدا جدا في استخدامها التقنية والتكنولوجيا بمختلف أنواعها، لتنفيذ مشروعها إلى أبعد ما يمكن، بفضل جماعيتها ووحدة هدفها.
إن أهم ما تمتعت به الصحوة عبر تاريخها، هو الإصرار الكبير لدى المنتمين إليها، من رموز وأتباع، أو من شريحة المؤيدين لها، مجاميع "على عماها"، الفئة الأكثر ارتباكا وتناقضا مع أنفسهم وذواتهم، والأكثر سخرية من أنفسهم مع بعضهم بعضا. لكنهم لا يأبهون لذلك حتى وهم يعلمون سذاجة موقفه، لذا تجدهم يدافعون عما لا يعرفون عنه سوى القشور، ويدخلون في معارك لا يملكون أسلحتها لا علما ولا معرفة أو خبرة، والكارثة أنهم يشكلون أغلبية في المجتمعات العربية، وهم بذلك يمثلون تطبيقا عمليا للمثل الشهير القائل "مع الخيل يا شقرا". وإن كانت البقرة "شقرا" حيوانا نلتمس لها كل العذر، إذ هي خارج إطار التكليف.
لكن ما الذي يمكن أن نقوله في حالة من يمثلون نموذج "شقرا" من البشر الذين يقع عليهم التكليف، وتقوم عليهم الحجة، ويملكون العقل؟
وهذه ترجمة حرفية لما تصنعه تلك الاستخدامات للتقنية والتكنولوجيا، من أجل الوصول إلى المتلقي ببرنامجها بأي شكل كان، ومن جهة أخرى تتسبب في صنع مجاميع هشة، بينهم قنابل موقوتة، يمثلون تيار الصحوة الأصولية العنيفة، الذي يحمل السلاح، ولا يتورع عن القتل وارتكاب الجريمة، وهنا مكمن خطر الاستخدام الصحوي للتكنولوجيا والتقنية.