"إذا فتحت النافذة سعيا وراء الهواء المنعش، لا بد أن تتوقع دخول بعض الذباب" هذا ما قاله المنظر والقائد السياسي دينجشياوبينج، الذي قرر إطلاق الثورة الاقتصادية الصينية مع الحرص الشديد على الحد من أي تأثير ثقافي يخلفه فتح الصين أبوابها اقتصاديا مع العالم. ورغم فتح الصين أبوابها لكل شركات العالم كي تستثمر على أراضيها، وتسهل لها المصانع والبيئة الخصبة للاستثمار، إلا أنها في الوقت نفسه أغلقت على نفسها كل منافذ التأثير الثقافي والإعلامي، ففي الصين لا تجد أحدا من الشعب يعرف تطبيقات "تويتر" أو "سناب شات" أو "إنستجرام" أو غيرها، وكي تتمكن الصين من فرض رؤيتها الثقافية ومنع التطبيقات الأجنبية من الدخول داخل نطاقها، فقد أقامت مشروعا حكوميا لمراقبة الإنترنت، اسم هذا المشروع هو مشروع الدرع الذهبي، أو كما يسميه البعض جدار الصين الناري العظيم.

بدأ هذا المشروع عام 1998، ويقدر عدد أفراد رجال الشرطة الذين يعملون في هذا المشروع الأمني العملاق بـ50 ألف رجل، تحت إرادتهم أضخم التقنيات التي تمكنهم من التعرف الآلي على الوجوه وكشف الهويات ومراقبة أدوات التجسس، وملاحقة كل من يحاول العبث بأمن الدولة، وكي تحافظ الصين على ثقافتها من تأثيرات الإنترنت الغربي ووسائل تواصلها الاجتماعية مثل "تويتر" و"فيسبوك" و"جوجل" و"يوتيوب" وغيرها، فقد صنعت تطبيقات خاصة بها يستغني بها شعبها عن التطبيقات الأجنبية، وفي الوقت ذاته تستغل الفرص الاستثمارية التي توفرها مواقع الإنترنت وتطبيقات التواصل الاجتماعي وتطبيقات الهواتف الذكية لصالحها.

فمحرك البحث الشهير "جوجل" الذي لا يستغني عنه أي شخص يستخدم الإنترنت في العالم نجحت الصين في تأسيس محرك بحث خاص بها، يُطلق عليه اسم "بايدو"، وبذلك تمكنت الحكومة الصينية بنجاح من حماية نفسها من مخاطر التجسس التي يسهلها موقع "جوجل" للحكومة الأميركية، والتي أثبتتها عدت تقارير منشورة أن الحكومة الأميركية تستغل محرك "جوجل" لأغراض تجسسية.

أما برنامجي "فيسبوك" العالمي و"واتساب" فقد وضعت الصين تطبيقا بديلا عنهما يطلق عليه الصينيون اسم "وي شن" واسمه الرسمي "wechat"، وهو التطبيق الجماهيري الذي يستخدمه معظم مستخدمي الهواتف الذكية في الصين، ويستطيعون خلاله تبادل المحادثات ونشر اليوميات والصور والفيديوهات، ويمكنهم استخدامه أيضا لدفع المال في معظم المتاجر والمطاعم وتبادل الحوالات المالية، والاتصال المرئي والصوتي، ولا يكاد يستغني عنه أحد داخل الصين، وأكثر من استخدمه من الأجانب المقيمين في الصين لمجاراة وسائل التواصل الاجتماعي داخل المجتمع الصيني يجد نفسه تدريجيا يستغني عن

"فيسبوك" و"واتساب" و"سكايب" والبطاقات الائتمانية، مفضلا استخدام "وي شات" لما فيه من كل مميزات "واتساب" و"فيسبوك" والبطاقات الائتمانية، ولا يوجد تطبيق واحد يجمع كل هذه المميزات كما يفعلها برنامج الـ"وي شن" الصيني.

تطبيق "تويتر" يوجد بديل له في الصين، ويطلق عليه برنامج "ويبو" وتعني التدوينة الصغيرة، ويستخدمه أكثر من 300 مليون مستخدم حتى عام 2014، وأعتقد أن العدد أكبر بكثير الآن في منتصف 2016، وتبلغ عدد التغريدات اليومية في "تويتر الصيني" أو "ويبو" البديل لـ"تويتر" العالمي أكثر من 100 مليون تغريدة يوميا. أما موقع "يوكو" فهو الموقع الصيني البديل لموقع "يوتيوب" ويعد أكبر موقع يقدم خدمة رفع ونشر مقاطع الفيديو في الصين، ويتميز بإمكانية رفع فيديوهات غير محددة الحجم أو الوقت.

رغم الحجب والرقابة الكبيرة التي تفرضها حكومة الصين على المواقع والتطبيقات الأجنبية مثل "تويتر" و"فيسبوك" و"يوتيوب" و"سناب شات" و"واتساب" و"إنستجرام"، إلا أنه بإمكان أي شخص داخل الصين وخلال دقيقة واحدة تحميل برنامج "VPN" مجاني على جهاز الكمبيوتر أو هاتفه الذكي المحمول ليتصل بأي برنامج يريده عبر شبكات إنترنت في دول مختلفة مثل اليابان وهولندا وألمانيا، وعن هذه الثغرة قال أحد الباحثين والخبراء المتخصصين، باحث الدكتوراه في أحد جامعات الصين النقيب المهندس محمد الصوفي، إن الحكومة الصينية بلا شك تعرف هذه الثغرة في شبكتها الإنترنتية ولكنها تتجاهلها عمدا كنافذة صغيرة يستطيع الشعب الصيني استنشاق الهواء النقي خلالها، ومستعدة للقضاء على أي بعوضة أو ذبابة تتسلل خلالها.