يتمنى العديد من الكتّاب والمحلّلين في بعض الأحيان ألا يحدث ما يتوقّعون، وخصوصاً عندما تكون هذه التوقعات تتحدّث عن القتل والدمار وعن التطورات المأساوية التي يعيشها العديد من دولنا ومجتمعاتنا، كما حدث في الأيّام الماضية على الحدود البريّة الأردنية واللبنانية من أعمال عنف وإرهاب، وكذلك ما حدث على الحدود الجويّة التركية في مطار أتاتورك في إسطنبول. فإنّ كل ذلك كان متوقّعاً من خلال مؤشرات عديدة إيرانية وداعشية على حدّ سواء.

إنّ ما سيحدث خلال الأسابيع القادمة من تعاظم للعنف لا يحتاج أيضاً إلى الكثير من الخبرة والقدرة على التحليل، لأننا ومنذ سنوات نعيش حرباً مدمّرة وفتَّاكة في كلّ من اليمن وسورية والعراق وليبيا، والتي تلقي بتبعاتها بشكل مباشر على دول الجوار، وهي دول الخليج والأردن ولبنان وتركيا. وإنّ بعض هذه الدول تعمل على إنهاء هذه النزاعات بكلّ الوسائل السياسية والعسكرية، هذا بالإضافة إلى تحمّل أعباء استيعاب ملايين اللاجئين من السوريّين بالذات.

إن استهداف الإرهاب لحدود هذه الدول هو إعلان لتوسيع دائرة النزاع وتغيير قواعد الاشتباك. وقد تزامن ذلك مع التهديدات الإيرانية للبحرين وحلب، وأيضاً تعثّر المفاوضات اليمنية في الكويت بالتزامن مع التصعيد الميداني. إن كل تلك المظاهر جاءت أيضاً بالتزامن مع زيارة ولي ولي العهد السعودي الإيجابية والمنتجة إلى كلّ من أميركا وفرنسا، والاجتماع مع الرئيسين أوباما وهولاند وأيضاً مع الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون، والذي أنتج الإجماع الأخير في مجلس الأمن حول ضرورة إنهاء النزاع السوري عبر القرارات الدولية خلال شهر يوليو. وهذا ما أعلنه المندوب الفرنسي رئيس مجلس الأمن الحالي، وكذلك ديمستورا المبعوث الدولي إلى سورية. كما تزامنت هذه الأحداث مع نتائج الاستفتاء البريطاني الذي جاء لمصلحة الخروج من الاتحاد الأوروبي، وقد كان موضوع اللجوء السوري أحد العناصر السلبية التي أدت إلى هذه النتيجة.

أما على المستوى الإقليمي، فإنّ هذه العمليات تزامنت مع الحديث عن التنسيق الدقيق بين السعودية والإمارات العربية ومصر والأردن، ومع التطورات السريعة للسياسة التركية لجهة عودة العلاقات مع إسرائيل وإعلان الاتفاق الدبلوماسي بينهما بعد قطيعة دامت 6 سنوات، وكذلك بداية مصالحة تركية- روسية عبر الاتصالات التي تمّت بين قيادة البلدين وما لها من انعكاس على سورية والعراق. هذا بالإضافة إلى الرسالة الإيجابية التي أرسلتها تركيا باتجاه مصر مع بدء الحديث أيضاً عن تطبيع العلاقات المصرية- التركية.

لا نستطيع أيضاً أن نتجاهل الاجتماع الذي دعت إليه فرنسا في بداية شهر يونيو للتحضير لمؤتمر دولي لحلّ القضية الفلسطينية، بالإضافة إلى مبادرة الرئيس السيسي لإنهاء النزاع وإقامة الدولة الفلسطينية على أساس المبادرة العربية للسلام، وتأييد قوى إسرائيلية فاعلة لهذه المبادرة. ومجمل هذه التطورات تجعلنا نحدّد الدول والقوى التي تسعى إلى الاستقرار وحلّ النزعات والخروج من النفق المظلم ومآسيه الكبيرة والكبيرة جدّاً، مع أكلافه التي تفوق الخيال بشريّاً وعمرانيّاً وماديّاً.

وهنا لا بدّ لنا أيضاً أن نحدّد الأطراف المتضرّرة من الاستقرار، والتي تعتبر أنّ استمرار النزاع هو سبب لوجودها، وأنها ستكون الخاسر الأكبر في أيّ تسوية للنزعات، وفي مقدّمتها الحرس الإيراني الذي قد يفقد وظيفته إذا استقرّت دول المنطقة ومجتمعاتها، ومعه النظام السوري الذي يعرف أكثر من غيره أنه من المستحيل أن يعيد عقارب الزمن إلى الوراء، وأن الشعب السوري بكلّ أطيافه يعلم أنّ وجوده هو السبب الوحيد لكل المآسي التي عاشها على مدى 5 سنوات. والأمر عينه بالنسبة لتنظيم داعش والمنظمات الإرهابية الأخرى التي أنتجها الحرس الثوري الإيراني والنظام السوري لتكون سبب بقائه واستدامة الصراع.

إنّ هذه الأطراف مجتمعة تشعر أنّ مجموعة الاستقرار العربي، ومعها مجموعة التحالف الإسلامي والتحالف الدولي، قد اقتربت من القدرة على حسم الصراع، وأنّ هذه الظروف مجتمعة قد ضيّقت الخناق عليها، ممّا جعلها تدفع بالإرهاب إلى خارج الحدود مع تغيير قواعد الاشتباك. وهذا يجعلنا نعتقد أنّنا سنشهد في الأيّام والأسابيع القادمة تعاظما للصراع والإرهاب. وهذا ما أكّده المتحدّث باسم البيت الأبيض حين قال "نحن قلقون من إمكانية أن يشنّ تنظيم داعش هجمات خارج سورية والعراق"، مما يعني أننا أمام موجة إرهاب بلا حدود.