من الكلام الدارج عند التهنئة بأمر قبل حدوثه، أن تقال العبارة التي عنونت بها هذا المقال؛ الذي يأتيكم سابقا العيد السعيد بيومين، كما يؤكد ذلك العلم القطعي، والحساب الدقيق عن "هلال" شهرنا الجاري والقادم.
"قبل الزحمة"، جملة استباقية جميلة، رغم أنها توحي بأن حياة غالب الناس في هذه الدنيا تجمهر، وتدافع وغير ذلك، وهو واقع لا يمكن إنكاره. أحيانا تبدو الزحمة من الأمور الجميلة جدا، وهذا يظهر من خلال التجمعات الإيجابية المتعددة، كالطواف حول الكعبة المشرفة، والسعي بين الصفا والمروة، والمشاركات في المناسبات العائلية، وغير ذلك مما يدخل في هذه المعاني نفسها، وبدون الزحمة تصبح الأمور عادية، وقد تكون رتيبة، ومملة.
هناك نوع سلبي من الزحمة، وهي الزحمة التي تفتقد "نقطة"، وأعني بذلك نقطة حرف "الزاي"؛ التي نحتاج إلى حذفها، لنقلب "الزحمة" إلى "رحمة"، وبذلك يمكن حل أي زحمة سلبية يمكن أن نواجهها في حياتنا.
العيد القادم علينا فرصة لتخليص "الزحمة"، من النقطة، والعمل على مشروع إشاعة "الرحمة" بين كل البشر، دون نظر إلى جنس، أو جنسية، أو دين، أو مذهب، أو غير ذلك من مشتات أو مفرقات.
في كتاب "مستدرك الحاكم" ثبت حديث سيدنا أبي موسى الأشعري -رضي الله عنه- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال "والذي نفسي بيده لا تدخلوا الجنة حتى تَراحَموا، قالوا: كُلُّنا رحيم يا رسول الله، قال: إنَّه ليس برحمة أحَدِكُم -يعني نفسَه وأهلَ خاصَّته- ولكنه رحمة الناس عامة، ولكنه رحمة الناس عامة"، ومما يؤيد ذلك من الأحاديث الشريفة قوله صلوات ربي وسلامه عليه: "الرَّاحِمون يرحمهم الرحمن"، وقوله: "لا يَرحم الله عزَّ وجلَّ مِن عِباده إلاَّ الرُّحَمَاء"، وقوله: "من لا يَرحَم لا يُرحَم"، الذي نقل الإمام ابن حجر في كتاب "فتح الباري" أن الإمام ابن بطال -شارح البخاري قبله- قال: "في هذا الحديث الحضّ على استعمال الرحمة للخلق، فيدخل المؤمن، والكافر، والبهائم المملوك فيها وغير المملوك، ويدخل في الرحمة التعاهد بالإطعام، والمساعدة في الحمل، وترك التعدي بالضر"، والأحاديث في هذه المعاني لا تنتهي.
لم يعد لمصطلح الرحمة ذلك الرونق الجميل، بل يكاد الواحد منا يشعر بأن الرحمة انعدمت في نفوس الناس، والعيد فرصة لإثبات أن الرحمة لم تغب، ولم تضمحل، وأن الزحمة بمعناها المادي والمعنوي، ومهما زادت، فهي لن تمنعنا من أن نرحم بعضنا بعضا، وأن نملأ عيدنا مودة وفرحا، فعيد بلا رحمة ليس عيدا، بل الحياة كلها بلا رحمة ليست حياة. عيدكم مبارك.