(تَصْفُو الحَياةُ لجَاهِلٍ أوْ غافِلٍ

عَمّا مَضَى فيها وَمَا يُتَوَقّعُ

وَلمَنْ يُغالِطُ في الحَقائِقِ نفسَهُ

وَيَسومُها طَلَبَ المُحالِ فتطمَعُ

تَتَخَلّفُ الآثارُ عَنْ أصْحابِها

حِيناً وَيُدرِكُها الفَنَاءُ فتَتْبَعُ

المتنبي)

الحياة السعيدة حلم كل إنسان أشبه بالسراب كلما ظن أنه يقترب منه وجد أنه أبعد ما كان عنه!

نسعى لأمر ونبذل له وإذا تحقق لا نشعر بالسعادة وربما شعرنا بالملل أو الخوف المفسد لمتعة الرحلة البحرية في الأحوال الجوية السيئة.

هي مقدمة تتضح إن تأملنا في بيت المتنبي القاطع بسعادة الجاهل الوهم وشقاء العاقل العارف في مفارقة تجعل العقل يتناسب عكسيا مع السعادة وصفو العيش.

أحد أفلام جيم كاري وعنوانه: (عرض ترومان) كانت فكرته تدور حول رجل بسيط يبتسم ما يظهر أنه للوهلة الأولى سعيد جدا لولا أنه يعيش حياة رتيبة تتكرر أحداثها بشكل يومي، حتى يغزو الشك قلبه ويبدأ بملاحظة الرتابة وتتوالى الأحدث ليظهر أنه إنما يعيش واقعا مزيفا، فهو مجرد بطل أحد برامج تلفزيون الواقع وحياته مصورة ويراها الناس منذ الطفولة، والأقارب مجرد ممثلين حتى زوجته.. بعد أن وصل للحقيقة بعد شك ومعاناة قرر أخيرا الخروج من الواقع المزيف للحياة الطبيعية بخيرها وشرها.

يحمل هذا الفيلم رسائل كثيرة عن انتهاك خصوصية إنسان دون علمه واحتكار القرار في تنظيم حياته من مولده حتى محاولة اكتشافه للحقيقة بعد أن أصابه الشك بمحاولة السيطرة على شكوكه وإبعاد من يحاول أن يخبره بالحقيقة، حتى قرر أن يترك المكان المزيف ويهرب من أعين الكاميرات التي تلاحقه بشجاعة.

هذا الفيلم يصور بصدق كيف تتم السيطرة الإعلامية على إنسان اليوم من خلال التحكم بأفكاره وتوجيهه لأفكار في السياسة والاقتصاد، وتشكيل وعي اجتماعي يحدد ما يلبس وما يأكل وكيف يفكر أو لا يفكر.

إنسان اليوم الذي يسرف في متابعة نشرات الأخبار والاقتصاد مثلا إنسان قلق، والتي تلاحق آخر صيحات الأزياء قلقة أيضا لبحثها عن الكمال الذي لن يتحقق في نظرها حتى تشعر بحاجة أكبر للتالي، والذي يعيش فكرة الخوف من الآخر وسيطرته أو اتساع سيطرته على بلده قلق أيضا، بل حتى الذي ينشر رسالة ويطلب من غيره نشرها قلق على ما يجب أن يوصله لغيره وما يجب على غيره أن يوصله خاصة في الرسائل المجانية المتداولة عبر التواصل.

قبل سنوات أو لنقل في القرن العشرين سيطر التلفزيون على كثير من الناس فلازموا مشاهدة ما يقدمه لهم بإدمان بلغ ببعض الأميركيين مثلا ألا يغادروا المنزل أو المقعد أمامه، وأن يعتمدوا على تناول الطعام السريع حتى أصيب بعضهم بالبدانة المفرطة ولازم السرير، كما غيّر البث الفضائي وبرامج تلفزيون الواقع حياة بعض الناس، وحدث هذا عندنا خاصة فأصبح أناس يسهرون الليل ويستمرون بالنوم للظهر أو لأذان المغرب حتى فقدوا علاقتهم أو كادوا بالضوء كما فقد قعيد الفراش علاقته بالهواء الخارجي.

الشخصية الشاحبة اليوم ترتدي نفس الملابس التي يحيكها الإعلام أو تجاره له ويوصلونها له حتى البيت، ومن أسوأ الدعايات التلفزيونية مؤخرا صورة رجل بدين تجبره زوجته على البقاء وطلب خدمة توصيل الملابس من شركة معينة، ويستمر بالجلوس والأكل ويستسلم لها في إشارة لأن بإمكانه أن يزيد وزنه ما يشاء لأن الشركة مستعدة له بكل مقاس!

الشخصية الشاحبة تختار العمل لتلاحق المظاهر لا الضروريات وتحكم على السعادة من خلال ثمن الساعة أو الحقيبة أو ماركة الجوال وكونه الأحدث، وحتى الحذاء أعزكم الله!

الشخصية الشاحبة ترتدي أفكار الآخرين وتدافع عنها وربما تموت في سبيل أن يعيش صانع الحزام الناسف لها أو

قد تتطوع لصنعه لنفسها لتريح قاتلها!

الشاحبون يسافرون للمدن التي يزورها غيرهم ولا يبحثون عن مدن أكثر جمالا!

الشخصية الشاحبة تحكم بالموت على الآخرين حتى تلاحق في المطارات مداخل صالات القدوم والمغادرة.

ولا تعجب إن رأيت شاحبا يهزأ بشاحب مثله يلتقي معه في الاستلاب والاستسلام للعرض الذي رفضه البطل في الفيلم الذي تناولته بداية المقال!

الشخصية الشاحبة متطرفة لما يريده لها الغير لا لذاتها فهي تسير على الطريق المرسوم لها بدقة، وقد تكون أكثر ولاء لما يريد لها سجانها، وإن التفتت لنفسها تحولت لولاء أسوأ فتشقي من حولها لتنفيذ رغباتها، ألا يدهشكم كمية الطلاق التي تحدث بسبب النزاع والسعي من أحد الطرفين للآخر لتوفير ما يوهم نفسه بأنه من مستلزماته، فأصبح دور بعض الأزواج استغلال ما تملكه زوجته الثرية أو الموظفة، وانحصر دور بعض الزوجات في إرهاق زوجها بمظاهر تستلزم منه البحث عن دخل آخر، وكذلك دور الأبناء في هذه الشخصية فيصل الفتى لسن يمكنه العمل فيه لكنه يستمر باستنزاف والديه وملاحقة مواعيد نزول مرتباتهم.

الشخصية الشاحبة مستلبة للتاجر أو مخرج المسلسلات التافهة أو حتى ما يكرره الداعية، وتحارب الأفكار الصادمة التي تحاول انتشالها لتبقى بطلة لتلفزيون الواقع ولا تعيش واقعها الخاص!

هي شخصية ترتدي أقنعة مرسومه لها بلون واحد وأفواه بلا شفاه متحركة وبأعين ترى الحياة من خلال ثقبين صغيرين جدا ولا ترى حتى أرنبة أنفها الحقيقي. أخيرا هل هذا ما نريده لأنفسنا؟!