كشفت الهيئة العامة للطيران المدني تفاصيل الأزمة التي عاشها مطار الملك خالد الدولي بالرياض خلال الأسبوع الماضي، محمّلة "الخطوط الجوية الناقلة" مسؤولية زيادة عدد الرحلات الإضافية غير المجدولة وفي أوقات غير موافق عليها من قِبل إدارة المطار، بالإضافة إلى غياب التنسيق بين الخطوط الجوية وبين إدارة المطار والملاحة الجوية، مما أدى ذلك إلى تكدس الأمتعة وإرباك حركة المطار وتفاقم حجم الأزمة !.

كما ذكرت الهيئة في بيانها الصحفي أن المطار يعمل بطاقة أعلى بكثير من طاقته الاستيعابية الحالية، بالإضافة إلى تقادم سيور العفش التي لا تستطيع تحمّل الزيادات في الرحلات غير المجدولة، وعليه اتخذت الهيئة عدة قرارات لمعالجة هذه المشكلة، مع التأكيد على محاسبة المقصرين دون استثناء لمواقعهم أو درجاتهم الوظيفية.. ثم اختتمت الهيئة بيانها بذكر المشاريع التوسعية لصالات المطار لتسهم في رفع الكفاءة والطاقة الاستيعابية للمطار !.

ومع احترامي وتقديري لبيان الهيئة العامة للطيران المدني فإنه لم يكن موفقا، وما هو إلا عبارة عن إخلاء مسؤولية ورميها في ملعب " الخطوط الجوية السعودية"، فالواضح من بيان الهيئة السابق أن السبب الرئيسي في الأزمة يعود إلى تعطل "سير العفش"، وحسب البيان فإن سبب هذا التعطل هو زيادة الطاقة الاستيعابية للمطار بسبب الرحلات الإضافية غير المجدولة!.

ولا أخفي على القارئ الكريم بأني كنت قد حذرت قبل أشهر من حدوث أزمة مطار الرياض من احتمالية زيادة مخاطر الازدحام بسبب تعطل سير العفش، فبعدما استبشرنا خيرا بالإجراءات الجديدة التي اتخذتها إدارة المطار من إلغاء حاجز التفتيش الأولي للعفش والذي كان يشغل حيزا كبيرا من مكان إجراءات السفر، بالإضافة إلى زيادة عدد الكاونترات والموظفين، ظننت في البداية أنه تم القضاء على الازدحام نهائيا، واعتبرت ذلك خطوة رائعة من الإدارة، ولكن سرعان ما خاب ظني عندما توقف موظفو الخطوط عن استلام الأمتعة بسبب توقف السيور لسبب مجهول!.

بعد ذلك بدأ الازدحام بشكل متتابع مع تراكم الأمتعة دون وجود سبب واضح سوى التحول من المناولة اليدوية للأمتعة إلى التقنية الإلكترونية الذاتية، حينها أيقنت بوجود خلل إداري ورقابي في المطار، وللأسف لم يتطرق البيان الصحفي للهيئة إلى هذه المشكلة الخطيرة!.

بالإضافة إلى ما سبق، نشرت "الوطن" خبرا بعنوان "مطار الرياض يبدأ الخصخصة بتكدس الأمتعة"، وذلك إشارة إلى دخول شركة جديدة باسم "شركة مطارات الرياض" كأول شركة تتولى تشغيل وإدارة مطار الملك خالد الدولي، حيث بدأ عمل الشركة حيز التنفيذ بتاريخ وقوع الأزمة، وهذا الموضوع أيضا لم يتطرق إليه بيان الهيئة سالف الذكر، رغم أهميته في مجال الرقابة على استلام وتسليم الأعمال للشركة!.

ومما زاد في الطنبور نغمة، اعتراف الهيئة في بيانها الصحفي بعدم وجود تنسيق مع الخطوط الجوية في مجال جدولة الرحلات رغم وجود آليات محددة لذلك، وهذا أعتبره اعترافا صريحا من الهيئة بضعف الرقابة على الخطوط الجوية الناقلة التي سمحت الهيئة لها ضمنا بزيادة الرحلات دون الرجوع إليها.

هذا بالإضافة إلى ما يتم تداوله عبر مواقع التواصل الاجتماعي عن معاناة موظفي الهيئة العامة والمطارات من عدم وجود حوافز ومكافآت أو ترقيات، ورفض التوقيع على العرض الوظيفي المقدم لهم من الشركة الجديدة، ناهيك عن شكاوى المواطنين المتكررة حول تدني مستوى الخدمات في المطار عموما.

وعلى هذا الأساس، فإني أتساءل: أين دور الهيئة العامة للطيران المدني في الإشراف على الخطوط الجوية الناقلة وعلى خدمات المطار وعلى الشركات المشغلة؟ وذلك باعتبارها السلطة المختصة رسميا بالإشراف على شؤون الطيران المدني في المملكة، حيث نصت المادة التاسعة عشرة من نظام الطيران المدني الصادر بالمرسوم الملكي رقم (م/44) وتاريخ 18/ 7/ 1426، على أن من اختصاصات الهيئة: "إصدار تراخيص وتصاريح وإجازات التشغيل اللازمة لمؤسسات وشركات الطيران.. إصدار التراخيص اللازمة لإنشاء وتشغيل شركات ووكالات الشحن الجوية والخدمات الأرضية للطائرات في المملكة ومراقبة أحكامها وتوقيع الجزاءات المقررة نظاما".

وبالطبع فإن من متطلبات إصدار التراخيص، الإشراف والرقابة على الشركات والخطوط الجوية الناقلة، حيث نصت المادة السابعة عشرة من نظام الطيران المدني على أنه "لممثلي الهيئة المخولين حق الدخول إلى مكاتب وأماكن شركات ومؤسسات النقل الجوي.. وشركات ووكالات الشحن الجوي والخدمات الأرضية للطائرات للتفتيش عليها ومراقبة تنفيذ أحكام التراخيص والتصاريح".

وبناء على ما سبق، وبناء على المواد السابقة لنظام الطيران المدني، كان الأجدر بالهيئة العامة للطيران المدني على أقل تقدير أن تصدر بيانا صحفيا توضح فيه آليات الرقابة والإشراف على الخطوط الناقلة وكذلك شركات الخدمات الأرضية، وما هي آليات الإشراف على جدولة الرحلات، وكيف تم الإخلال بها؟ وأن تبين فيه أيضا كيفية تشغيل سيور العفش والأمتعة، وكذلك كيفية صيانتها والرقابة عليها، ومدى توافر الخطط البديلة على مدار الساعة في حال توقفها، والتي في اعتقادي أنها غير موجودة أو غير مطبقة على أرض الواقع، والأمر برمته يحتاج إلى شفافية أكثر في مثل هذه الأزمات مع تحمل المسؤولية كاملة حتى لا تتكرر في المستقبل.