الإمبريالية مفهوم استخدم بمعان مختلفة، خصوصا في سياقات السياسات الدولية، لكنني سأحاول استخدامه هنا في سياق مختلف مع الحفاظ على المعنى الجوهري للمفهوم، وهو معنى الهيمنة. الهدف هنا هو رفع الحساسية تجاه سلوك الهيمنة، خصوصا في المجالات التي لم نعتد فهمها في سياق صراع الهيمنة.
سأحاول هنا إعادة مشهد الهيمنة إلى صورته الأولية كعلاقة بين الذات والآخر. الآخر هنا أستعمله بمعنى "غير الأنا"، وهو بهذا المعنى ممتد من الآخر الجماعة إلى الآخر الفرد. الذات والآخر دائما في علاقة وطبيعة هذه العلاقة هي ما يهمنا هنا. علاقة الهيمنة من طرف الذات على الآخر أو من طرف الآخر على الذات تأخذ أشكالا وصورا متعددة سأحاول القبض على المشترك بينها. في الصورة الجماعية نجد أن الإمبريالية تتمثل في سطوة جماعة (في أحيان كثير في صورة دولة) على جماعة أخرى. أحيانا تكون الجماعة المهيمنة تنتمي لنظام سياسي مختلف عن الجماعة المهيمن عليها، وأحيانا تنتمي الجماعتان لذات النظام. الاستعمار مثال على الحالة الأولى وصراع الأغلبية والأقليات في كثير من الدول اليوم مثال على الحالة الثانية. على مستوى الأفراد تحدث الهيمنة في العلاقات الاجتماعية بكافة أنواعها حتى في العلاقات الجميلة كعلاقة الحب والصداقة. سأحاول اليوم تقديم تصور للمنطق الذي يجمع كل هذه الحالات على مستوياتها الجماعية والفردية. منطق الإمبريالية هذا يمكن التعبير عنه بالتالي: الإمبريالية هي "قيام الأنا بتعريف الآخر وتحديد هويته بغض النظر عن موقف هذا الآخر من هذه العملية"، أو بتعبير آخر الإمبريالية هي "تولي أحد الأطراف في العلاقة مهمة إدارة أهم شؤون الطرف الآخر".
على المستوى الجماعي نجد أن الهيمنة تحدث حين تتولى دولة إدارة شؤون دولة أخرى بغض النظر عن رضا الناس في الدولة المهيمن عليها من عدمه. الاستعمار حالة صارخة على ذلك. الهيمنة تحدث كذلك داخل الجماعة السياسية الواحدة. مثلا في ليبيا الحديثة يمكن ملاحظة الإمبريالية العروبية التي تبناها القذافي ضد غير العرب من الليبيين. الليبيون الأمازيغ كانوا يشتكون من سياسة التعريب التي تبنتها حكومة القذافي، والتي وصلت إلى حد منعهم من تسمية أطفالهم بأسمائهم التقليدية. ردة فعل القذافي نموذجية لشرح الإمبريالية. اعتراض الأمازيغ كان كالتالي: نحن جماعة عرقية وثقافية تعاني من هيمنة جماعة عرقية وثقافية أخرى (العرب في هذه الحالة). رد القذافي كان كالتالي: أنتم لا تعرفون من أنتم، وأنا سأتولى تعريفكم وتحديد هوياتكم بغض النظر عن موافقتكم أو رفضكم. القذافي هنا أعاد تعريف الأمازيغ ليصبحوا عربا هاجروا لليبيا قبل خمسة آلاف سنة. الأمازيغ هنا أمام سلطة تنازعهم في ذواتهم وتسلبهم أحد الحقوق الأساسية للكرامة الإنسانية، وهي أن يحدد الإنسان هويته بذاته.
على المستوى الفردي نلاحظ منطق الهيمنة ذاته. مثلا في التربية تجد أن الأب المهيمن يعتقد أن ابنه أو ابنته ليس سوى مجرد امتداد له، وبالتالي فهو مستحق لتولي مهمة إدارة خيارات ورغبات وهوايات الابن أو البنت بالكامل. المعلم الإمبريالي يتحرك بذات المنطق، فهو يعتقد أن مهمته التعليمية تمتد لتحديد هوية طلابه. هذه الطبيعة تظهر بجلاء في حالات الاختلاف ومطالبات الطرف الثاني في العلاقة بحقه في إدارة شؤون ذاته. المعلم المهيمن يقاوم اختلاف طلابه معه بالعنف. العنف هذا يأخذ أشكالا مختلفة، منها ربط التقييم والدرجات بالطاعة والاتفاق، قمع التعبير والحوار، ويمتد كذلك لاستخدام العنف الجسدي ضد الطالب الذي يحاول إظهار علامات الاستقلال. في الحب كذلك نلاحظ أن الهيمنة تتسلل للعلاقة مع محاولات أحد الأطراف "للتحكم" في الطرف الآخر. الشك عادة هو الطريق لذلك. الشك يعطي الذات المبرر لتولي شؤون الآخر باعتبار أن الآخر مع الشك تحول لكائن غير جدير بالثقة، وبالتالي فالأبواب أصبحت مفتوحة لاجتياحه.
القضية الأخيرة المتعلقة بالشك أو بشكل عام بمبررات الهيمنة أو بالتصورات التي تتبناها الذات المهيمنة عن الآخر جديرة بالتأمل. نلاحظ مثلا أن تجهيل الآخر بوابة للهيمنة عليه. المستعمر مثلا كان يروّج مثلا لجهل الجماعات التي يريد السيطرة عليها. تجهيلهم يعطيه المبرر المزيف لتولي شؤونهم نيابة عنهم والظهور، كذلك في صورة الحريص والمهتم والغيور. الهيمنة على الأطفال والنساء أخذت تاريخيا خطا مشابها. التقليل من القدرات الذهنية والنفسية عند الأطفال والنساء استخدم كمبرر للهيمنة عليهم على مدار التاريخ. من حيل الهيمنة والإمبريالية كذلك التشكيك في مصداقية الأقليات حين تطالب بالمساواة. الحجة المتداولة هي اتهامهم بالولاء لجهات أجنبية وبالتآمر على الذات. هذه التصورات للآخر تتحرك في اتجاه التخفيف من الآثار وردود الفعل الأخلاقية تجاه عملية اجتياحه وتولي ذاته. هذه المبررات تحتاج المزيد من التأمل باعتبار أنها تعمل في أحيان كثيرة في صالح إخفاء حقيقة عملية اجتياح الآخرين. المبررات هذه مهمتها إبعاد الآخر عن الصورة وكتم صوته. الآخر هنا ليس سوى كذاب أو مخادع أو خائن أو عميل. الآخر هنا لم يعد أهلا للحديث عن نفسه، مما يمهّد المجال لمهمته اجتياحه وتولي الذات مهمة إدارته.