كنت اقرأ قبل أيام مقاطع من كتاب لأحد "الثوريين" العرب من جيل الستينيات الميلادية، حاول فيه تشويه خصومه بصورة مضحكة جدا، وهي تحوير أسمائهم بتبديل حرف هنا وهناك، لكي يثبت انتسابهم، لفئة أخرى، يعتبر مجرد الانتساب لها إدانة وتهمة لا تقبل الشك كما يرى. لا.. والأسوأ أنك تشعر فيما كتبه لذة انتصار عجيبة، ويقين بأنه اكتشف نظرية غير مسبوقة في علم اللغة والنحت اللغوي، مع العلم أن أي طالب في المرحلة المتوسطة ، قد يكتشف وبسهولة، هشاشة هذا الادعاء، لأنه هو ـ الطالب ـ لو جرب أن يعدل حرفا هنا وحرفا هناك في اسم أحد زملائه لانطبقت "النظرية العظيمة" عليه فورا.

تلك الحالة إحدى نماذج تسطيح العقل العربي، ومن أهم أسباب نشوء الصراعات الوهمية على مستوى البنى الاجتماعية والسياسية، ابتداء بالقبيلة وليس انتهاء بمن يُطلق عليها "النخب الثقافية"، فأي فرد يريد تمرير مشروعه الخاص، لن يحتاج إلى فعل عملي، أو اجتهاد علمي وبحث دقيق، بل كل ما في الأمر هو أن يتصرف على شاكلة صاحبنا "الثوري" السابق الذكر. أو ينطلق إلى الميدان الأسرع للوصول وهو امتطاء جواد الدين، والإفتاء بما يتيسر له. ففي حالة الأمور الدينية هناك نموذج قريب جدا لنموذج "الثوري" هو البحث عن أي قول مأثور أو أي جملة مرت في كتاب من القرن الثالث أو الرابع الهجري وما بعدهما ، وجعله في مرتبة قداسة أعلى في بعض الأحيان من الأحاديث النبوية الصحيحة ، ولعل مقولة "لحوم العلماء مسمومة" من أبرز تلك المأثورات التي تجدها في أدبياتنا الحالية، مصنفة في مكانة الحديث النبوي لدى بعض الدعاة والوعاظ. فمن كثرة ترديدها في حواراتنا حول القضايا الدينية والاجتماعية،وجعلها لافتة "قف" في وجه كل من يناقش رأي داعية، اكتشفت أن أحد "أنصاف المتعلمين" يعتقد أنها حديث نبوي، بل ويصر على ذلك.

أما المشكلة الأخطر على الأمة هي رفع الكثير من الأحاديث التي أثبت علماء الحديث أنها ضعيفة أو موضوعة، إلى أحاديث في مرتبة الصحيح والمتفق عليه، مثل حديث"تفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة"، حيث أثبت عدد من علماء الشريعة أنه حديث ضعيف وفيه علل، ومنهم الدكتور يوسف القرضاوي، والدكتور حاكم المطيري الذي نشر دراسة خاصة، تثبت أنه حديث ضعيف السند. ومع ذلك له شهرة كبيرة وألفت بناء عليه عدة كتب، وكان أحد أهم مرتكزات تكفير الطوائف الإسلامية لبعضها .

فمن يعيد مكانة العلم والبحث الصحيح ؟