مما لا شك فيه وجود هوة سحيقة بين الوقوف على أطلال عصر ذهبي مضى للتغني بأمجاده والنوم على سرير انتصاراته، وبين استحضار التاريخ بأيامه السود والبيض لاستخلاص العبر والدروس ووضع الخطط والرؤى لمستقبل مشرق يمثل عودة العرب إلى التاريخ والمساهمة في صناعته بعد عقود طويلة على خروجهم أو إخراجهم من التاريخ توطئة لإخراجهم من جغرافيا أوطانهم، مما يضعهم على شفير الاضمحلال أو الانقراض.

وفي ظل مناخات مئوية "سايكس-بيكوية" الراحلة وأخرى "بلفورية" قادمة ويوبيل ذهبي لـ"نكسة" حفرت آثارها عميقاً في تضاريس الواقع العربي، لا بد من الإشارة إلى أن مئوية اتفاقية سايكس-بيكو حظيت باهتمام لافت من قبل أحفاد صانعيها وضحاياها في الآن نفسه، اتخذ شكل تسونامي مقالات ودراسات وتقارير وندوات. وكذلك سيكون حال مئوية وعد بلفور في العام القادم. وخمسينية حرب عام 1967 التي توجت بإشكالية "ال" في نص قرار مجلس الأمن الدولي الشهير رقم 242 بترجمتيه الفرنسية والإنجليزية اللتين دعتا إسرائيل إلى الانسحاب من "الأراضي" أو "أراض" احتلتها.

وثمة أسباب كثيرة يمكن إدراجها لتفسير هذا الاهتمام، قد يكون أبرزها: فوبيا تجديدها وتعديل اسمها ليصبح اتفاقية "كيري-لافروف"! وبالتالي تعدد منتجاتها لجهة ولادة كيانات أخرى.

وكانت سطوة النص هي القاسم المشترك في استحضار مئوية "الاتفاقية" و"الوعد" أيضاً. فنص اتفاقية "سايكس ـ بيكو" يتكون من 832 كلمة، ولم ترد فيه كلمة "شعوب" أو عبارة "حق تقرير المصير" ولا مرة.

أما نص وعد بلفور فيتكون من 117 كلمة فقط، أهمها الكلمات التالية: "إن حكومة صاحب الجلالة تنظر بعين العطف إلى تأسيس وطن قومي للشعب اليهودي في فلسطين، وستبذل غاية جهدها لتسهيل تحقيق هذه الغاية، على أن يكون مفهوماً بشكل واضح أنه لن يؤتى بعمل من شأنه أن ينتقص الحقوق المدنية والدينية التي تتمتع بها الطوائف غير اليهودية المقيمة الآن في فلسطين، ولا الحقوق أو الوضع السياسي الذي يتمتع به اليهود في البلدان الأخرى".  ولخص الكاتب والصحفي البريطاني دايفيد هيرست أهمية الوثيقتين بقوله في كتابه الشهير "البندقية وغصن الزيتون": كان وعد بلفور إحدى وثيقتين رئيسيتين شكلتا التاريخ الحديث في الشرق الأوسط. أما الوثيقة الثانية فهي اتفاقية سايكس ـ بيكو. ولقد جاء وعد بلفور نتيجة لاتفاقية سايكس ـ بيكو، إلا أن أهميته تفوق أهمية هذه الاتفاقية كثيراً. بل من الصعب جداً اعتبار أن أي وثيقة غيرت مجرى التاريخ تغييراً عشوائيا مثلما فعلت هذه الوثيقة. فالصراع العربي ـ الإسرائيلي هو في العالم المعاصر المشكلة الأولى التي يحتمل أن تفجر يوم القيامة النووي".

ومن أبرز المشاريع القديمة والمتجددة والجديدة التي طمحت إلى تعديل أو إزالة "آثار" سايكس بيكو: مشروع "الهلال الخصيب" الذي حاول تنفيذه نوري السعيد عام 1943، وشرح تفاصيله في كتيب عرف بـ"الكتاب الأزرق". أما مشروع "سورية الكبرى" فدعا إلى تنفيذه الأمير عبدالله بن الحسين لتحقيق وحدة "سـورية الطبيعية". ‏وقيل في الاعتراض على دعوة الملك عبدالله بن الحسين: إن الفرع (شرقي الأردن) يجب أن يتبع الأصل (سورية)، وتم اعتبار المشروع مشروعاً ملائماً ومماثلاً لمشاريع الصهيونية. ورفد هذان المشروعان بنحو 28 تجربة "وحدوية" عربية اتسمت بكونها مشاريع موسمية فولكلورية وفوقية، وكان أصحابها يدركون عدم جديتها.

وطالت لوثة التشابه خريطة "داعشستان الكبرى" أو "داعشئيل" التي تشبه قليلاً أو كثيراً خريطة "إسرائيل الكبرى" وخريطة "سورية الكبرى" و"فارس الكبرى"، ومشروع "حوزة إيران الحضارية" أو "إيران الكبرى"، وتنذر بولادة كيانات شقيقات لإسرائيل.  ويستدعي مشروع غرب كردستان "روج آفا"، بوصفه ترجمة لمحطة من محطات مشروع "كردستان الكبرى"، المخاوف من ظهور كيان يشبه إسرائيل قد تجوز تسميته "كردائيل" في حال هيمن على حكمه غلاة المتطرفين الكرد الذين قد يدفعون عموم كرد سورية المعتدلين نحو أتون حروب ومعارك خاسرة.

ولا بد من الإشارة إلى أن إسرائيل، ومنذ خمسينيات القرن الماضي، تطبق المبدأ القائل: "عدو عدوي هو صديقي" في تعاملها مع سائر الأقليات والطوائف في الشرق الأوسط. وكان في مقدمتهم أكراد العراق وتاليا أكراد تركيا وحالياً أكراد سورية، ولاحقاً أكراد إيران.

وإذا كانت إعادة إنتاج المسألة الكردية على أنقاض المسألة السورية المرتبطة بشقيقتها الفلسطينية، يصب في خانة "أسرلة" الشرق الأوسط وربما صهينته؛ فإن معالجة "المسألة العربية" بوصفها التعبير الشامل عن مجمل أزمات الكيانات السياسية والمجتمعات العربية تتطلب رزمة دراسات ورؤى مستقبلية تحقق الانسجام بين مصالح وإرادة العرب أجمعين.