صحيح أننا كعرب نعيش اليوم أزمة حضارية على المستويات كافة، صراعات دموية، فقر وأمية، والجهل ينتشر، صحيح أن التطرف قد بلغ مداه، وأن حقوق الناس في الحضيض أو تكاد، صحيح أننا لم نستفد حتى الآن من مواردنا الطبيعية، والمؤلم أننا نتعامل مع مواردنا البشرية أنها هي الخلل والسبب الرئيس في تدهور الأوضاع.
صحيح أن الغرب يعيش اليوم ازدهارا حضاريا على الأصعدة كافة، فلا صراعات إنما حرية عقدية وفكرية، والفقر والأمية في اضمحلال، والعلم ينتشر والكتب تلقى لها رواجا غير مسبوق، وأن المعرفة لدى الغرب باتت عنصرا مهما من عناصر الاستثمار، وأن لا تطرف، ولا طائفية، ولا مذهبية، وأن الناس هناك ينالون حقوقهم بشكل مقبول، وأن المحاولات دؤوبة للاستفادة من كل الموارد الطبيعية، والموارد البشرية تعتبر السبب الرئيسي للازدهار.
كل هذا صحيح، إلا أن هنالك شيئا ما كريه في حضارة الغرب، شيئا يتم إخفاؤه جيدا تحت أرطال من مظاهر المدنية والرقي والتحضر، إن المرء حين يرى كل هذا الازدهار الذي يعيشه الغرب اليوم، لا يملك إلا أن يُعجب ويتعجب ويشيد به من باب الإنصاف، إلا أنه ومن باب الإنصاف أيضا على المرء أن ينظر لما تحت هذا الازدهار البراق، حينها سيرى شيئا مختلفا، شيئا كريه المنظر.
إن هذا الشيء الكريه في حضارة الغرب، هو ذاته الشيء الذي يبهرنا في حضارتهم "الحرية والعدالة"، إنهما مفهومان لا يرتكزان على معايير الخير والشر، إنما على معيار المصلحة، وبما أن المصلحة متغيرة فهذا يجعل الحرية والعدالة لدى الغرب قيما غير ثابتة، أي أن الحرية التي يبهرنا بها الغرب مرهونة بمصلحة الغرب نفسه، وبهذا يمكن القول إنه لا عدالة في مثل هذه الحرية.
إنها قيم تمت صياغتها في قوالب براقة، كي تخفي جوهرا كريها، فالحديث عن تعدد الزوجات في الغرب محط سخرية، إنما الحديث عن زواج الشواذ أصبح دليلا على الرقي والتحضر!، وهذا مثال فقط على فوضوية القيم الغربية التي تسيدت العالم اليوم، وللأسف بيننا من تسكره العناوين الرئيسية فينبهر بازدهار الغرب للدرجة التي تجعله يتقبل كل ما يأتي منهم، وكأنه العنوان الوحيد لرقي الإنسان!.
لقد انحدرت الحضارة الغربية اليوم ولا شك، حين أعطت الشواذ الحق في الزواج، إن كل إنسان سويّ سليم ينفر من مثل هذه القاذورات الحضارية التي تتلحف بشعارات "الحرية والعدالة"، لا يحتاج المرء كي يستنكر مثل هذه الإفرازات الغربية الكريهة، أن يستمع لخطب عصماء ومواعظ، يكفي فقط أن ينصت جيدا لفطرته الإنسانية.
وبما أن الشواذ قد تعلموا أصول اللعبة، تعلموا كيف يعزفون على وتري "الحرية والعدالة"، تعلموا كيف يمررون بهذا العزف انحرافهم إلى الدستور، فسيتعلم غدا كل منحرف قواعد اللعبة الدستورية القذرة، سيطالب بأن يكون له حق منصوص عليه في الدستور، وبأن يحميه القانون، بل وسيطالب المجتمع بمراعاة انحرافه، قد يصبح زواج الأخ بأخته فعلا مقبول، وزنا المحارم ضمن حقوق المواطنة، والعذر الجاهز "ما المانع طالما الأمر برضا الطرفين"؟!
إن الشذوذ الجنسي لم يكن موجودا في الغرب حتى عهد قريب، بل كان من أقذر القاذورات، فما الذي جعله اليوم يلبس لباسا براقا، ويتخذ له شعارا جميلا جذابا؟! الجواب، تحمله هذه الآلة الإعلامية المبرمجة على زخرفة الشذوذ، إنهم يريدون تخريب فطرة الإنسان، نزع الحياء عنه، تشويه ملامحه كي تتم قيادته بسهولة. إن الشتائم المرتبطة بالشذوذ الجنسي هي أكثر الشتائم التي تداولتها الألسن على مدى الأزمان، إنه عار عند كل الشعوب المسلمة وغير المسلمة، إنه ليس مرضا جينيا كما يشاع، إنما فعل واع دنيء لقي له الدعم الكامل، إنه أداة ضمن عدة أدوات تحطيم الدين والأخلاق والعقل والفن، وكل شيء جميل.
تأمّل كيف يجلس شيخان هَرِمان، تساقطت أسنانهما، وتشابكت أياديهما في حديقة عامة، ليقبل أحدهما الآخر ويعانقه عناق العُشاق، أمام مرأى من الناس ولا أحد يستنكر، لأنهما يمارسان حقوقهما التي كفلها الدستور!
هؤلاء الشواذ لا يقابلون بالغاز المسيل للدموع ولا بالهراوات الكهربائية، بل تتم مباركتهم، وتسن لهم القوانين، وفي الوقت نفسه يُحارَب الحجاب، ويتم الاستهزاء بالمنتمين إلى أي دين، وتصويرهم بأنهم عنوان للتخلف.
ختاما، صحيح أننا كعرب نعيش اليوم أزمة حضارية على المستويات كافة، نعيش صراعات دموية، نعيش فقرا وأمية، نعيش جهلا وتطرفا وضياع حقوق، إلا أن كل فوضانا وبؤسنا أرحم وأجمل من رقي الغرب وتحضره، إننا ما زلنا نملك ذلك الشيء الجميل النقي الذي أخفيناه للأسف تحت أرطال هذه الفوضى.