بعد ست سنوات من القراءة الأولى، أعدت قراءة كتاب "أوضاع العالم 2009" وهو واحد من سلسلة مرجعية ابتدأت منذ عام 1981، حيث دأبت دار "ديكوفرت" الفرنسية على إصدار كتاب سنوي بذات العنوان لذات العام. الكتاب مترجم عبر مؤسسة الفكر العربي، وهو تقرير سنوي بالغ الإثارة. فهرس الكتاب يتضمن خمسين مقالة "فكرة" لفهم آخر تطورات العالم، وكل مقالة تم إسنادها البحثي إلى باحث/ كاتب في شتى وأبرز التغييرات السياسية والاقتصادية والدبلوماسية والاجتماعية، كما التكنولوجيا والبيئة، عبر خيط رابط بين هذه المقالات الجوهرية يسمح للقراء بالجمع بين أحداث مستقلة عن بعضها البعض ثم إدراجها في سياق أشمل وأوسع، ما يسمح في النهاية بتكوين رؤية واضحة نحو فهم ما يحدث. وبعد ست سنوات من كتابة آخر إصدار استطعت الوصول إليه وقراءته مرة أخرى أستطيع كمواطن من هذا الشرق أن أكتب ما يلي:

أولاً، يؤسفني أن أحداً منا لا يقرأ تلك السحابة السوداء فوق خريطتنا التي تحولت إلى كهف مظلم. الهوة/ الفجوة الواسعة ما بين ثنائية البوصلة "الشمال - الجنوب" و"الغرب - الشرق" باتت بالفعل مستحيلة على الردم والتجاوز. هم يصعدون في المجالين التقني والاقتصادي إلى آفاق يصعب أن نستوعبها، ونحن نهبط في المقابل إلى الحضيض. كوكب واحد ولكن بعالمين متناقضين. نحن معهم أو عليهم إما مكب للنفايات السامة أو عقلية حروب دينية بينية أو حتى بيئة أمراض وبائية. وحتى عام 2009 يقول التقرير إن في أقل من عقد حتى صار السؤال: هل نستطيع استخدامه على الأقل بعد استحالة الشراكة في إنتاجه؟ أنا هنا أعطيت مثالاً واحداً من بين آلاف النماذج والأمثلة من تقرير ضخم يعج ثلثه الأخيرة بجداول مقاربات ومقارنة في شتى مجالات المنجز الإنساني لكل القارات والدول وتبدو فيها النتائج مزعجة ومخيفة.

ثانياً، وهنا ما يخص الخيط الرابط بين المقالات العلمية: هنا يبدو، أو تبدو عوالم هذا الشرق الأوسط بالتحديد قنبلة بالغة الخطورة، وللعلم نحن نتحدث عن عام 2009 لا يخلو مقال واحد في الشؤون السياسية والاقتصادية والثقافية الفكرية من التحذير من خطر هذا الشرق على الخريطة الكونية، وجلها تخلص إلى الجملة التي أستطيع اختصارها فيما يلي: شعوب تشعر بحالة إحباط اقتصادية وتخلف علمي، فانعكس ذلك على الفكر السياسي، ولهذا توقعت بعض المقالات هذه الموجة من ثورات العنف اللاحقة، وهذا ما حدث بالفعل. أحد هذه المقالات توقع بجملة واضحة أن تصبح أفغانستان نسخة مخففة بالمقارنة مع ما "سيحدث" في الشرق الأوسط، أختم: ما هو العنوان الذي سأختاره لو أنني دعيت لهذا التقرير؟ والجواب الوحيد: كيف يمكن لوطني إتمام بناء الرؤية التنموية المستقبلية وهو يقع في قلب هذه الخريطة؟