يروي البلاذري: أن الناس خرجوا ذات يوم يلتمسون هلالَ رمضان، وعلى رأسهم الصحابيّ الجليل أنس بن مالك، وكان يومئذٍ شيخا كبيرا، قد قارب المائة، فنظر الناسُ في السماء، فلم يروا شيئا، لكن أنسَ بن مالك جعل يحدِّق في السماء، ويقول: "لقد رأيتُ الهلالَ، ها هو ذاك" وجعل يشير إليه بيده، فلم يرَه أحدٌ، عند ذلك نظر الشابّ الفطن (إياس بن معاوية) إلى أنس رضي الله عنه، فإذا شعرةٌ طويلة في حاجبه قد انثنت حتى غدتْ قُبالة عينه، وكأنها الهلال، فاستأذنه في أدب، ومدَّ يده إلى الشعرة فمسحها وسوَّاها، ثم قال له: أترى الهلال الآن يا صاحب رسول الله؟ فجعل أنسُ ينظر، ويقول: "كلا ما أراه، أين ذهب؟". تعبّر هذه القصّة عن إمكانية انخداع المرء بأحكام حواسّه في أطوار الضعف والكلل، وإن كانت قدرته على التفكير سليمة بالمجمل!
ولكن هل قابليتنا للانخداع بمعطيات حواسّنا مقتصرة على حالات الوهن والضعف؟
فلنتأمّل في ما أورده صاحب (لسان العرب) عند كلامه عن التنّين: "وأخبرني شيخ من ثقات الغزاة أنّه كان نازلاً على سِيف بحر الشام، فنظر هو وجماعة أهل العسكر إلى سحابة انقسمت في البحر ثمّ ارتفعت، ونظرنا إلى ذنب التنّين يضطرب في هيدب السحابة (أي الجزء المنخفض منها)، وهبّت بها الريح ونحن ننظر إليها إلى أن غابت السحابة عن أبصارنا"!
هل كان الشيخ المخبرُ بالقصّة كاذباً؟ أم أنّه كان تحت تأثير أحد أنواع الهلوسة؟ أم أن التنّين موجود بالفعل؟
من الممكن مقاربة الإجابة عن هذه الأسئلة عند استشارة عقل تراثي آخر أورد المسعودي رأيه في (مروج الذهب) دون أن يشير إلى اسمه للأسف إذ يقول "فمنهم من رأى -أي التنّين- أنه ريح سوداء تكون في قعر البحر فتظهر إلى النسيم، وهو الجو، فتحلق السحب كالزوبعة، فإذا صارت من الأرض واستدارت وأثارت معها الغبارِ ثم استطالت في الهواء ذاهبةً الصُّعَداء تَوَهَّم الناسُ أنها حيات سود قد ظهرت من البحر لسواد السحاب، وذهاب الضوء وترادف الرياح". أي أنّ الأمر مجرّد ظاهرة طبيعيّة أسيء تفسيرها، وقد لا يخفى أن هذا الرأي بات أكثر معقوليّة على ضوء معطيات ما نعرفه اليوم.
وقريب من ذلك ما يروى عن الإمبراطور قسطنطين الذي اعتنق المسيحية بعد أن كان معروفاً بعدائه الشديد لها، وذلك بعد أن رأى ما حسبه إشارة إلهيّة، حيث شاهد وجمعٌ من الناس معه (الصليب) يتراقص في السماء ويضيء أمام أعينهم في يومٍ شتويّ. تروي المصادر المسيحية هذه القصّة كمعجزة خارقة، وهذا ما قابله بعض المؤرخين بالتكذيب. إلا أنه قد تبين مؤخراً احتمالية حدوث ذلك فعلاً، ولكن ليس بوصفه معجزة، بل كمجرد ظاهرة من ظواهر الطقس تنتج عن انعكاس ضوء الشمس على نُدَف الثلوج المتساقطة تحت ظروف جوية خاصة، بحيث يؤدي هذا الانعكاس إلى تكوين شريطين ضوئيين متعامدين أمام الشمس، فيبدوان على هيئة صليبٍ مرتعش!
عند النظر إلى النماذج الثلاثة السابقة، سنجد أنّها تشترك في تعبيرها عن قابليّتنا لتضليل الحواسّ، دون أن يلزم من ذلك عدم سلامة آلتنا المنطقيّة. ولكن عند مقارنة ما جرى في قصة أنس بن مالك رضي الله عنه بالقصّتين الأخريين، سنجد أنّ الوهم قد تبدّد سريعاً ولم يطل عهده كما حدث فيهما، وذلك لأنّ عوامل نشأة الوهم فيها فرديّة متعلّقة بضعف بصره دون سواه ممّن شهدوا الحدث، بخلاف ما كان في النموذجين الآخرين من إيحاء جماعيّ تحت تأثير ظروف طبيعية خاصة. من جهة أخرى، عند مقارنة قصة مشاهدة التنين بقصة مشاهدة الصليب، فإننا نلحظ أن وهم رؤية التنّين رغم انتشاره النسبيّ في تلك العصور إلّا أنّه كان يناقش بشكل هامشي دون تشنّج، ولا يعدم من يتصدّى له بعقلانية في العصر نفسه كما رأينا، وذلك على خلاف رؤية الصليب التي كانت تقع في خانة مركزية عند المعتقدين بها، ولم يكن من المتيسر التصدي لها بالنقاش أو إعادة النظر، وهذا عائد لتعلقها بدلالة دينية كفيلة بإحداث الارتياب بكل تفكير منطقي يحاول المساس بها.
معرفتنا بهذه الأنماط من التضليل الحسي الذي قد نتعرض له قد تساعدنا في تفسير الكثير مما نتلقّاه من الغرائبيات، دون التورط في فجاجة التكذيب غير المبرر للمصادر، أو الاستسلام لتلك المصادر تحت عنوان الثقة بسذاجة.
من الممكن أن يحدث التضليل الحسي للجماعات كما يحدث للأفراد، ولكن من المهم أن ندرك أنه لا يحدث عادة دون أن يستند على نوع من القابلية النفسية للإيحاء، تشتد وتخفت بقدر ما يقف وراء هذه القابلية من المعتقدات والقناعات المسبقة. ليس ذلك فحسب، بل غالبا ما تلعب تلك المعتقدات والقناعات نفسها دورا أكبر في استمرارية هذا التضليل من خلال شيوع الخبر وتوريثه عبر الأجيال للأسف.