إلى ما يقرب من العشرين عاما، لم تكن المناسبات الاجتماعية تعرف للشعر الشعبي حضورا يذكر. لا أمسيات جماعية، ولا قصائد فردية.
كانت الفنون والرقصات الشعبية هي سيدة الموقف في جميع مناطق بلادنا. في حفلات الزواج أو التخرج أو غيرها.
كان الناس يرقصون العرضة، ويغنون ويتمايلون مع السامري، وبقية الفنون الأخرى. وكان "الشعر" محصورا في منابره وأمسياته النادرة ذلك الزمن. إذ كان القلة من الشعراء هم الذين يجرؤون على اعتلاء المنبر.
خلال العقدين الأخيرين، حصل ما يشبه الطوفان. حضر الشعر بشكل لافت في أغلب مناسبات الناس.
ومع هذا الطوفان الشعري، لا شيء نخشاه أن يفسد هذه المناسبات واللقاءات العامة كبعض الشعراء الذين يأتون ليقولوا كلاما لا تعرف مناسبته، ولا غايته، ولا هدفه، ليتحول الزواج أو الحفل البهيج إلى أمسية شعرية، ويضيع العريس وسط الزحمة!
الذي يحير فعلا، أنه أصبح من حق كل شخص أن يحوّل زواجه إلى أمسية شعرية، ويدعو من يريد لها من الشعراء، ليقولوا ما يشاؤون من قصائد، ويمدحوا من يريدون، ويذموا من يريدون، ويرفعوا من يريدون. ولا تعرف لمصلحة مَن السكوت عن هذه الفوضى الاجتماعية التي نقلت "الشعر" من المسارح والندوات إلى صالات الزواجات، حتى أصبحنا نجد من يعلن بـ"وجه وسيع" عن قصائد زواج للبيع!
ولا أعلم، لماذا لا يمنع إلقاء الشعر في المناسبات الاجتماعية؛ كما تم منع إطلاق النار! أختم بطرفة حقيقية يرويها أحد الأصدقاء، يقول دعيت قبل سنوات إلى مناسبة زواج في إحدى المدن. بدت المناسبة جميلة حتى جاؤوا بمنصة ووضعوا أمامها "مايكروفون"، وبدأ شباب صغار في السن يتقاطرون أمام المنصة، كل واحد منهم يحمل لقب شاعر. لا أعرفهم، ولم أسمع بأسمائهم، وبدأ كل واحد منهم في إلقاء كلمات مقفاة تشبه الشعر. لم يكن إلقاءً؛ كان صراخا. تبدلت المناسبة من زواج له طقوسه إلى أمسية شعرية رديئة، ثم بدؤوا في امتداح العريس، ثم أسهب بعضهم في سرد بطولات وأفعال والد العريس وجده.
يقول: همست لأحد كبار السن جواري "هل ما يقوله الشعراء عن والد وجد العريس صحيح؟!".
يقول صمت قليلا ولم يرد، حتى ظننته لم يسمع السؤال، وبعد لحظات التفت نحوي وأمسك بيدي، وقال: "يا ولدي: كل إنسان بهالدنيا يدور اللي ناقصه!"
وكانت أعظم حكمة سمعتها في حياتي!.