يمر الإنسان خلال حياته بمراحل متعاقبة بدءا من الطفولة فالمراهقة فسن الشباب إلى النضج ثم الشيخوخة، لكل مرحلة من هذه المراحل سماتها المميزة. وللمرأة تحديدا في كل مرحلة من هذه المراحل ملامح مختلفة، وجمالٌ مختلف. في فترة الطفولة تتصف ملامحها بالبراءة، وفي المراهقة تظهر على وجهها علامات السخط وتقلب المزاج، أما في فترة الشيخوخة فجمالها يسكن في التجاعيد والمشي بمصاحبة العكاز ورفع أكف الدعاء.
والمرأة السعيدة هي من تتقبل ذاتها في كل مرحلة، أما التعيسة فهي من تسجن نفسها في مرحلة الشباب، وسر تعاسة هذه، أن الزمن يجرها إلى الشيخوخة قسرا إلا أنها لا تهنأ ظنا منها أن الجمال كله حكرٌ على مرحلة الشباب.
من هنا، يصاب أحدنا بالغثيان وهو يتابع مسلسلا أو فيلما، إذ تقوم البطلة فيه، والتي تجاوزت الستين، بلعب دور الفتاة اللعوب التي تغوي الشباب، وهي لا تستطيع لعب هذا الدور ما لم تشد وجهها وتنفخ شفتيها وتحقن جسدها إلى أن يتحول جلدها لشيء شبيه بالبلاستيك، ناعم جدا، مشدود جدا، لكنه بلا لون ولا طعم ولا حياة، وبطلة المسلسل هنا ليست إلا ابنة بيئة وثقافة تقدس جمال مرحلة الشباب، وتلعن كل جمال سواه، ليست إلا ابنة بيئة وثقافة تكره التجاعيد وتتعامل معها بوصفها مرضا خطيرا يجب التخلص منه.
إن التجمل مطلوب، والله جميل يحب الجمال، لكن أن يتحول الاهتمام بالمظهر إلى هاجس ووسواس، يدفع المرأة إلى أن تُجري كثيرا من عمليات التجميل، فإنها وإن غدت فعلا جميلة المظهر، إلا أن جمالها سيبدو حينها شيئا قبيحا يدعو إلى التقزز.
بالأمس، استمعت إلى مقطع فيديو قصير، تحدّث فيه شاب عن فتاة ذهبت إلى إحدى مراكز التجميل، نظرا لقرب زواجها، وفي مركز التجميل أخذت حُقنا تجميلية، ربما لتكبير الشفاه أو شد الوجه، المهم أن جسد الفتاة تسمم بسبب هذه الحقن، ونتيجة هذا السم أصيب جسدها بالتعفن، وتحول في أجزاء منه إلى اللون الأزرق، وتحديدا في قدميها ويديها، وانتهى الأمر ببتر القدمين واليدين كي لا يتفشى المرض أكثر.
وسواء كانت القصة حقيقية أم مفبركة، إلا أن هذا لا ينفي حقيقة أن المرأة اليوم أصبحت مصابة بمرض البحث عن الجمال الصناعي بأي ثمن.
صحيح أن المرأة منذ أن خلقها الله وهي تبحث عن الجمال، إلا أن ما يحدث اليوم يعدّ جريمة في حقها، بل وانتهاكا لإنسانيتها، ما يحدث اليوم لا يختلف كثيرا عن تعذيب النساء في القرون الوسطى، من حرق وسلخ وشوي وتقطيع للأطراف. كل الذي استجد أن المرأة في عصور الظلام كانت تجر من شعرها كي تعذب، فأصبحت تذهب إلى التعذيب وهي مبتسمة! ما الذي تغير؟
ها هي تسلخ أجزاء من جسدها، وتنفخ أجزاء أخرى، تستأصل من أنفها، وتضيف إلى شفتيها، تشد في وجهها حتى يكاد أن يتمزق.
مَن المعتوه الذي وضع معايير محددة للجمال؟ من الذي أقنع النساء أن الشفاه الغليظة رمز للأنوثة؟ من أخبرهن أن الجمال يمكن قياسه بالمسطرة؟ حيث المسافة من الدقن إلى الجبهة 30سم، وبين الأنف والشفة العليا 3سم، على أن يكون عرض الشفتين بحجم كف اليد، والأرداف أعرض من طاولة القياس!
هذه ليست معايير للجمال، إنها معايير لملامح بعير، إن الرجل الذي يشترط معايير محددة في المرأة كي يصفها بالجمال، هو من الأساس ليس رجلا إنما مجرد ذكر، ومعايير الذكر دائما مطاطية، وصاحب المعايير المطاطية دائما معاييره مرتبطة باللعاب، كلما سال لعابه لمنظر امرأة في مجلة أو على الرصيف مطّ في معاييره بمقدار فرسخ.
إن عمليات البحث عن الجمال اليوم تجعل المرأة أشبه بالوجبات السريعة، جميلة شهية منمقة ومزخرفة، لكن لا غداء فيها، تملأ العين لكنها لا تفيد بأكثر من الإحساس بالشبع، كذلك المرأة ذات الجمال الصناعي، جميلة منمقة ومزخرفة وملتزمة بالمعايير الجمالية لكنها خاوية، إنها ستكبر ذات يوم حتما وسيكبر ابنها ويتزوج، وحينها لن يتباهى أمام زوجته وأبنائه في جلسة غداء أن أمه كانت "صاروخا"، بل سيتباهى بأن أمه كانت عظيمة في خلقها راقية في تصرفها، بأنها تعبت وسهرت لتبني ذاتها وأسرتها، والمجتمع أيضا لا يتباهى بامرأة أجرت مئة عملية تجميل، إنما بامرأة لها إسهاماتها أو ربة بيت تخاف ربها أو موظفة مخلصة.
في الأخير، لا أحد يلتفت إلى المرأة الصناعية إلا ذكر كل معاييره مطاطية.
إن السعادة في تقبل الذات، في رضا المرأة بملامحها المتغيرة، في استشعارها الجمال حتى في التجاعيد وتقوسات الظهر.
أما التعاسة، فأن تتعلق بمرحلة الشباب وجمال هذه المرحلة، والظن أن البقاء هنا يعني الكمال، أما البؤس حقا فأن ترى ابنة الـ40 والـ50 والـ60 كلهن
بالملامح الباهتة نفسها.
البؤس حقا، أن ترى الزمان يجر المرأة إلى الشيخوخة جرّا، فتذهب معه وتأخذ كل شيء إلا جلد وجهها تبقيه عالقا في مرحلة العشرين، ولا يعلق جلد الوجه في تلك المرحلة إلا بمئات الحقن التجميلية أو قضاء 10 ساعات يوميا لتلطيخ الوجه بالمكياج، محاولةً لاستدعاء شباب لن يعود، وإن عاد فعلا، لقال للتي استدعته: ارحميني واعتقيني لوجه الله يا مرة.