صباح الثلاثاء الماضي الثاني عشر من يوليو دخلت إلى مكتبي مثقلاً بأخبار الصباح والمساء عن المآسي والدماء والإرهاب الذي ينتظرنا في كل مكان، بعد أن تجاوز كل المحرّمات ببلوغه الحرم النبوي الشريف قبل أيام. إذ لا نستطيع أن نضع هذا الحدث الجلل في سياق التفجيرات والجرائم التي تلاحقنا منذ سنوات على مدى الأيام والساعات، لأن الاعتداء على الحرم النبوي الشريف هو جريمة أصابت الوجود الإنساني قاطبة، وأصيب بها مليار ونصف مليار إنسان على طول البسيطة وعرضها.
تصفّحت الصحف اللبنانية المكدّسة أمامي ولم أجد فيها ما يجعلني أستعيد إنسانيّتي، لأنّها لا تحمل إلاّ أخبار الفشل والضياع الذي يعاني منه لبنان. ثم انتقلت إلى الصحيفة الخضراء وعناوينها الكثيرة والمثيرة، من إيران إلى اليمن إلى فلسطين إلى جنوب السودان ومصر وتركيا ورؤية 2030 الإستراتيجية، إلى استنكار الأمير تشارلز للاعتداء على المدينة المنورة، إلى سورية، ثم أحداث دالاس. تصفّحت كلّ صفحاتها بهدوء ثم انتقلت إلى صفحتها الأخيرة ذات الزوايا الثابتة، فكان ما لم أتوقّعه وما كنت أدعو إليه وأتمنّاه من النخب العربية خلال مقالات عديدة وآخرها الأسبوع الماضي في "إرهاب بلا حدود". كانت المفاجأة هي قصيدة الشيخ محمد بن راشد "فتنة الإرهاب".
لقد فعلها محمد بن راشد ووضعنا في مواجهة مع أنفسنا في "بائيّته" عندما قال "يا رسول الله عذراً"، معبّراً في ذلك عن وجدان ثلث البشرية الذي اهتز لإرهاب المسجد النبوي الشريف في المدينة المنورة. لم أستطع أن أتجاوز تلك القصيدة. قرأتها مرّات ومرّات، وفي كل مرّة كنت أتوقّف عند "صدر" أو "عجز" من أبيات القصيدة، التي أعادتني إلى الصرخة الاستباقية التي أطلقها الأمير خالد الفيصل قبل أشهر "الإسلام ينادينا.. إن لم نلبّ فمن يلبّي.."، ذلك النداء الاستشرافي لتفادي الأسوأ.
عندما قرأت قصيدة محمد بن راشد فكّرت بالاتصال بأحد الأصدقاء من مديري المحطات الفضائية العربية الكبرى والتي تبثّ من مدينة دبي، لأطلب منه أن يتمّ تسجيل القصيدة بصوت الشيخ محمد بن راشد، ويتمّ بثّها أبياتٍ أبياتٍ بين الفقرات، كي لا نبقى متفرّجين على موتنا ودمارنا وانتهاك مقدّساتنا، ومدمنين على سماع الأخبار وبرامج الحوارات الإعلامية.
ليس للإرهاب دين أو كتاب.. "يا الله، يا الله كم أصاب". فكّرت أيضاً بالاتصال بأحد المراكز العربية للترجمة، لأطلب منها محاولة ترجمة هذه القصيدة إلى كل اللغات، ليقرأها المسلمون من كل لسان، هؤلاء الذين قرّب الإسلام فيما بينهم بعد أن كانوا شعوباً وقبائل وهم الآن مستهدفون من الإرهاب والحملات العالمية على الإسلام. لقد فعلها محمد بن راشد وبادر إلى وضع الإبداع في خدمة خالقه وفي مواجهة أعداء الخلق والخالق، لا سيّما حين قال "فأعدوا ما استطعتم واصبروا، ذاك وعد الله في أم الكتاب".
فكّرت بالاتصال بصديق يتقن فنون الأوبريت لألفت نظره إلى تحويل هذه القصيدة إلى مغناة يؤديها مبدعون كبار محترمون، ولكي تصوّر وتبثّ على كل الشاشات، وأيضاً أن يجعلها "كورالا" للأطفال في المدارس لغرس مواجهة الإرهاب في عقول الأطفال قبل أن يتسلّل إليهم أهل الفتنة والإرهاب. ثم فكّرت بالدعوة إلى ملتقى عالمي حول رفض الاعتداء على الحرم النبوي الشريف تحت شعار "الإسلام ينادينا" و"يا رسول الله عذرا".
"لم يبالوا مهبط الوحي.. ولم يحسبوا للمصطفى أي حساب.. حفظته قدرة الله لنا.. وما لنا في قدرة الله ارتياب..". لقد فعلها محمد بن راشد ووضع النخب العربية في مواجهة مع الذات، ليضعوا ما عندهم من إبداعات وأفكار، بدل التحاليل والتقديرات والادعاءات والاتهامات والأنانيّات الصغيرة والاعتداد بالذات، فيما أمّتنا في حال من الدمار والضياع والاختراق.. ولنردّد جميعاً مع محمد بن راشد: يَا رسول الله عذرا.. ليس للإرهاب دين أو كتاب.