قبل أيام كنت عند أحد منافذنا الحدودية، فكانت كبائن الجوازات كلها مضاءة باللون الأحمر عدا كبينة واحدة، وكانت طوابير السيارات ممتدة لمسافات بعيدة، فلما هممت بتوثيق المشهد، تذكرت أن التصوير ممنوع في هذه الأمكنة وسيعرضني للمحاسبة، فاستعذت بالله من الشيطان وأعدت الجوال إلى مكانه، بعدها بأيام وتحديداً في الأسبوع الماضي قام أحد المواطنين بتوثيق عدم مباشرة موظفين لعملهم بطوارئ مستشفى الشميسي في الرياض بمن فيهم المدير المناوب، وحين قام بنشر فيديو عن الحالة تفاعل الناس معه معتبرين هذا العمل إنسانيا ووطنيا، ومن شأنه توعية الموظفين بما يترتب على إهمالهم من رصد ومحاسبة، فيشعرون أنهم تحت أنظار المراجعين وتقييم أدائهم بشكل دائم، كما أنه بذلك قد يساعد في إنقاذ حياة كثير من المواطنين الذين يموتون بسبب الإهمال والتقصير، غير أن المواطن المسكين اصطدم بقوانين تحمي أولئك المتسيبين وتطارد أمثاله، فتحول من مدعٍ إلى مدعى عليه، ومن مجني عليه إلى جان، وصار يبحث عن السلامة ولسان حاله يقول:

"يا ليتنا من حجنا سالمينا

كان الذنوب اللي علينا خفيفات"

قبل هذه الحوادث وبعدها وأنا أبحث عن سبب وجيه يقنعني أن منع التصوير داخل الإدارات الحكومية في مصلحة الوطن والناس، أو تترتب عليه أخطار أمنية لا سمح الله، بل على العكس من ذلك، فإني أراه مهماً في مجال مكافحة الفساد وتحسين الخدمة، أو على الأقل منفعته أكبر من ضرره، هذا على افتراض أن له أضراراً أصلاً، فأغلب ما نشاهده من عمليات تصوير هي لمواطنين محبَطين لم يجدوا ما يعبرون به عن سخطهم ورفضهم للخدمات المقدمة لهم سوى نقل الحدث مباشرة إلى الناس من أجل مواساتهم أو اللطم معهم، ولو افترضنا أن أحدهم صوَّر لأهداف شخصية أو بقصد الإساءة إلى أحد، فهذا يمكن كشفه بسهولة من خلال مجريات التحقيق، أو من قبل الناس أنفسهم، ولو استطاع خداع بعض الناس فلن يستطيع خداع كل الناس، علاوة على أن الحكومة أكبر من أن تُستَفز أو تُخدَع لمجرد مقطع تم تداوله بين الناس، فتتعامل معه بشكل عشوائي ودون تحقُق من صحته، وفي حال ثبوت الكيدية أو التصوير بقصد الإساءة، فإن هنالك قوانين وأنظمة من شأنها تأديب المخالفين وردعهم، أما اعتبار مجرد التصوير داخل دائرة خدمية مخالفة تستوجب العقوبة، فتلك معجزة (قانونية)، إضافة إلى أن الذين يشرِّعون هكذا أنظمة يتصرفون ولديهم اعتقاد راسخ أن الجماهير لا تستطيع التفريق بين القانون الذي يخدم الوطن؛ والقانون الذي يخدم المسؤول المقصر.

لتعزيز قيم المواطنة يجب إشراك المواطنين في عمليات كشف جوانب الإهمال والتقصير ورصد الأخطاء كما تم إشراكهم سابقاً في عمليات كشف المتطرفين، وهذا تطبيق عملي لمعنى أن يكون المواطن هو رجل الأمن الأول، وإذا كان التبليغ عن الإرهابيين وتوثيق أعمالهم واجبا وطنيا، فكذلك التبليغ عن الفاسدين وتوثيق أخطائهم واجب وطني أيضاً، كما أن التبليغ عن عمليات فساد إذا كان كيدياً فسيتعرض صاحبه للمساءلة، تماماً كما هو الحال في التبليغ الكاذب عن عمليات إرهابية، ومن التناقضات أننا نحث الناس على مكافحة الفساد ونقوم بتوعيتهم بأخطاره، وفي نفس الوقت نشرِّع قوانين تعمل على حماية الفاسدين، فالفارق كبير بين احترام خصوصيات الناس وعدم انتهاك حياتهم الخاصة، وبين تحسين الخدمة في أماكن العمل من خلال تفعيل نظام المراقبة، لأن الأول مُلْك للإنسان وحده لا يجوز لأحد أن يتطفل عليه أو يحاول استكشاف خوافيه ونشرها بين الناس، أما الثاني فهو مُلْك للجميع، فحين يتغيب الموظف عن عمله أو يقدم الخدمة بشكل سيّئ فالضرر يقع على المراجعين بالدرجة الأولى، ومن حقهم حماية هذا الحق طالما أن القائمين عليه لم يحترموا المسؤولية الملقاة على عواتقهم، وقد لا يصدقهم أحد في حال إن قاموا بتقديم شكوى، بل سيطالَبون بالدليل، وإلا تمت محاسبتهم، فليس أمامهم إلا توثيق الحالة بالتصوير أو التسجيل أو أي شيء آخر، ولو شعر كل موظف أنه محل أنظار الناس ورصدهم وتقييمهم فلن يتوانى في تقديم الخدمة بشكل أفضل، وسيحاول إرضاء المراجعين، فكل عمل لا يقوم على أساس الثواب والعقاب والتقييم المستمر هو عمل ناقص، بل يكون خاضعاً للحالة النفسية للموظفين، فيصير حال المراجعين معهم كحال النعمان، عندما كان له يومان؛ يوم سعد ويوم نحس، من قابله يوم سعده أغناه، ومن قابله يوم نحسه قتله! ومن المفارقات أن يكون تسجيل المكالمات أحد أهم الإجراءات المتبعة لدى البنوك من أجل تحسين الخدمة، بينما يكون تصوير المكاتب المغلقة وتغيب المراجعين في القطاع الحكومي جريمة يعاقب عليها القانون! مع أنني لا أرى فارقاً كبيراً بينهما، لذا فالأولى تعديل هذا القرار ليكون الممنوع هو التشهير فقط قبل الرجوع إلى الجهة المكلفة بالمحاسبة، وليس التصوير ذاته، فلولا أن هؤلاء المقصرين يدركون أن هؤلاء المراجعين مغلوبون على أمرهم، لما وصل الحال بهم إلى هذه الدرجة من التسيب واللامبالاة والوقاحة أحياناً في التعامل معهم.