هل ما زال أحد يتمنى مزيدا من الحرائق والدماء والدمار في منطقة الشرق الأوسط العربية؟! من يكون هذا "الأحد"؟! وما مصلحته في الفرح بمزيد من الموت والتشرد والبؤس؟!
الكل ينكر هذه الأمنية، والكل متهم، فعليّا أو افتراضيّا، بارتكابها حتى الصامتين.
الجماعات الإرهابية والمتطرفة بمختلف فصائلها تتهم الأنظمة التي تسعى إلى إسقاطها وتولِّي السلطة بدلا منها، والأنظمة –كما هو حال النظام السوري- لا ترى سببا لاندلاع الحرب وتقوُّض السلم الأهلي إلا في الجماعات الإرهابية التي أصبحت اسما في قاموس النظام الرسمي لكل معارضة له، ولكل من ينتقده.
فالإرهاب يصنع الدمار للمنطقة ويتبرأ منه، والنظام الذي يغطي على المعارضة له بصفة الإرهاب، يمثل دور الضحية للإرهاب وعلته وحاميه وجلاده في وقت معا؛ أي يصنعه كما يصنع الحرب ويتبرأ مما صنع.
الغرب الذي يدلل تقرير تشيلكوت على أن عدم الاستقرار في المنطقة فاقم المخاوف عليه، مخاوف تدفق اللاجئين والمهاجرين، ومخاوف الهجمات الإرهابية، هو الغرب نفسه الذي يدلل التقرير على أنه تعمّد –بتحالف أميركا وبريطانيا- زعزعة الاستقرار، حين لم يكتف بإسقاط صدام بل أتبعه بتحطيم الدولة في العراق، وفتح بوابة التكتلات الطائفية، وخطَّط لـ"الفوضى"، ولم يتحسّب لما ينتج عنها من قلاقل وفظائع إنسانية، بل كان يحسب لما ينتج عنها من وجهته النفعية، فيصفها بـ"الفوضى الخلاقة".
الغرب –وفق التقرير- يقر بتخطيطه وفعله لقلاقل المنطقة، ثم ينتقد هذا التخطيط ويستنكر نتائجه ويبرأ منها.
إيران ضالعة في دماء السوريين والعراقيين، وروسيا مثلها في دماء السوريين، وخارطة التدخل هذه تتزايد في غير سورية والعراق. لكن القاعدة ثم "داعش" والنصرة وأشباهها من التنظيمات الإرهابية، هي ذريعة تدخل إيران وروسيا، والعلة التي تتيح لهما ادعاء البراءة. وهذا يستدعي التلازم بين إيران وروسيا من جهة، والإرهاب من جهة أخرى؛ فلن تصدُق براءة تدخلهما إلا بوجود الإرهاب؛ إنهما يتدخلان لوجود الإرهاب؛ فوجود الإرهاب ضروري لتدخلهما. وهو المنطق نفسه الذي ينطبق على النظام، فلا يجعله مستقلا عن تدخلهما ولا محايدا تجاه المكونات الوطنية، ولا يجعله مبرَّرا من دون الإرهاب.
وهذه دائرة تنغلق على العنف من دون أدنى مبالاة من كل الأطراف بما ينتج من دمار وهلاك وتفكيك للحمة البلد ومكوناته المذهبية والإثنية، إلى الدرجة التي لا يمكن تصور قابليته من بعدُ للوحدة على نحو ما كان الأمر عليه، وحتى بحضور قوة عظمى تستطيع كسر دائرة العنف هذه وفرض حل سلمي.
الذين يَقْتُلون ويفجِّرون ويقصفون ويغتالون ويغتصبون ويسلبون ويأسرون ويعذِّبون، يفعلون ذلك باسم الإسلام والعروبة والوطنية والديموقراطية والحرية ورفع الظلم، ومن أجله، على اختلاف الشعارات والوجهات.
والذين يبرؤون من ذلك ويردون عليهم مستنكرين، يفعلون ذلك باسم الإسلام والعروبة والوطنية والديموقراطية والحرية ورفع الظلم، ومن أجله، على اختلاف الشعارات والوجهات.
القاتل مؤمن ومجاهد ومناضل وبطل ووطني وحر، والقاتل –أيضا- كافر وإرهابي وتسلطي وطائفي وعدواني وبلا قيم أو إنسانية، على اختلاف الخلفيات التي يصدُر عنها كل وصف.
لا مذنب ولا بريء إذا صدقنا كل الأطراف. كل اتهام من جهة هو كل براءة من الجهة المقابلة!
المقتول، أيا كان، طفلا، أو امرأة، أو كهلا، أو فتى يافعا، هو قاتل، في هذا الكابوس العبثي المدمر.
نعم، نفهم أن يكون القاتل قاتلا، أما أن يكون المقتول قاتلا فهذا ما يجيب عنه محمود درويش، في "شريعة الخوف": "ينظُر القاتل إلى شبح القتيل، لا إلى عينيه، بلا ندم. يقول لمن حوله: لا تلوموني، فأنا خائف. قتلت لأني خائف وسأقتل لأني خائف". هكذا كان درويش يبصر مشهد العنف والقتل، فيعيد ترتيب لا معقوليته وينظِّمه سببيا لنراه، وحين نراه كما رآه درويش نكتشف الفجيعة، فجيعة الإنسان مع القتلة، وفجيعة الطاغية الخائف الجبان.
كان الواقع في هذه المنطقة المنكوبة بالقتل والدمار، مقتولا على وجه التقريب، قبل أن تشتعل نار الحرب الحالية: مقتولا بتردي الأوضاع وبؤسها، مقتولا بفقر الموارد، أو بالبطالة، أو بنقص التأهيل، أو بسوء الإدارة، أو بفقدان البنى التحتية أو عدم استكمالها. مقتولا بحروب قديمة أو أخرى مرتقبة. مقتولا بالوعيد للصهيونية الغاصبة، وللخَوَنة والعملاء الذين لا ينتهون. إن لم يقتله الاستبداد قتلته الطائفية وأشباهها. يتربص بذاته إن لم يتربص به عدوه، وينأى عن المستقبل وينأى عنه المستقبل. ما الذي بقي في هذا الواقع ليتحمل مزيدا من القتل والبؤس والخوف؟! ولماذا لا يثير هذا الواقع الفَزَع في العالم؟! هل وثق العالم أنه سيأمن منه؟! أليست موجات اللاجئين السوريين إلى أوروبا ومعهم المهاجرون من دول أخرى، نذيرا بانفجار بركان اللجوء والهجرة، الذي لا يستطيع العالم مواجهته؟! وهل سيتوقف الإرهاب الذي يضرب في كل مكان ما لم يُغلَق باب الجحيم الذي يُنتجه، وتصير الحياة لا الموت أمنية مجتمعات المنطقة؟!
ليس هذا الواقع الموبوء بالعنف والكيد محدود الخطر في حدود البلدان التي تفجَّر فيها الصراع. والله وحده يعلم كم من الوقت ستقضي المنطقة والعالم في المعاناة من آثاره وشروره المتطايرة حتى لو حطّت الحرب أوزارها اليوم ولم تستمر دائرتها الجهنمية في الدوران الذي يلغي وجهتي الأمام والخلف؟! كم من الوقت سيلزم لتعقيم ثقافة المنطقة ضد وباء الطائفية الذي تلوثت به بعد أن أخذ الصراع الدموي على السلطة صفة دينية ومذهبية؟! كم من الزمن سنقضيه في توارث لغة الميليشيات وتبادل تهم التكفير والتخوين؟! كم نحتاج لاستبدال التسامح بثقافة الكراهية، واستبدال محبة العمل والحياة والإنسانية وبهجتها بفكر الموت الذي يبرِّر كُرْه الحياة والعنف ضد الإنسانية وتمجيد القتلة؟!
إن "القتلة الأبرياء" عبارة واصفة –فيما أرى- للكشف عن لغز الجريمة التي لا ينفصل عنفها الحالي عن مظاهر عنفها في التاريخ العربي والإسلامي؛ جريمة القَتَلة لمواطنيهم الذين يبررون دوما جريمتهم كذبا وزيفا باسم معاني الهوية ومصادرها ذات القداسة الثقافية ودفاعا عنها.
فما لم يصبح عصيّا على عصابات القتلة هؤلاء، بموجب الثقافة السائدة في المجتمع، ادعاء البراءة والبطولة على ذلك النحو "أي بادعاء الدفاع عن الإسلام أو العروبة وما إلى ذلك"، فسيستمر العنف إلى ما لا نهاية.