تلقيت قبل فترة دعوة من إحدى الزميلات للالتحاق بدورة تدريبية في موضوع يلقى رواجًا منذ سنوات وهو (تدريب المدربين). جاء في الإعلان أن هذه الدورة تؤهل مجتازيها للتدريب في اختصاصهم أياً كان، وأن التدريب سيتناول محاور مهمة مثل قلق مواجهة الجماهير، وآليات العرض التقديمي الناجح، وإيجاد رابط الثقة بالنفس، وتوظيف الصوت في إلقاء المحاضرات. تحمستُ كثيرا وعدّلت جلستي لأستكمل القراءة، فهذه الدورة ستجعلني شخصًا أفضل كما تقول المدربة في الدعوة التي طلبت من قريباتها نشرها على من يعرفن. حلّقتُ في الخيال وتمثلتُ حضوري الطاغي وصوتي العميق والجماهير المهللة لكل ما سأقدمه من لقاءات أو محاضرات بعد هذه الدورة. بدا لي السعر معقولًا مقارنة بالفائدة؛ فما الذي تمثله 2400 ريال أدفعها من دخل أسرتي للحصول في ثمانية أيام على شهادة تدريب مدربين مختومة ومعتمدة من جهة رسمية؟! لكن كان هناك مشكلة ثانوية وبسيطة جدًا في هذه الدورة وهي أنها تقام على تطبيق (الوتساب)!

حقيقة ذهلت عندما قرأت هذا السطر من الإعلان؛ فعلى الرغم من إيماني بأهمية التقنية في حياتنا وضرورة توظيف التقنية الحديثة في مجال التعليم، وأنا شخصيا أحضر العديد من برامج التطوير المجانية عبر الوسائط الإلكترونية أو المواقع مثل بابل، كورسيرا أو رواق، إلا أنني أعتقد أن التدريب على مهارات التواصل الإنساني المباشر أمر مختلف وله آليات لا تتوفر في تطبيق للتواصل الاجتماعي فكيف تجرأت المدربة لتدّعي مثل هذا الادعاء؟ ثم كيف أقنعت أكثر من ثلاثين سيدة متعلمة بالتسجيل معها بمقابل مادي في (مجموعة واتساب) للحصول على هذا النوع من التدريب؟! بحسبة بسيطة ابتلعت هذه المدربة ما يقرب من 84 ألف ريال سعودي وهي متكئة على أريكتها و(تطقطق) بهاتفها المحمول بدون أن يرفّ لضميرها جفن! وعلى الغالب أن من سجّلن في هذه الدورة الواتسابية سيضفن سطرًا إلى سيرهن الذاتية مفاده (مدربة معتمدة) ليستمر تدوير الجهل والخديعة بطريقة يندى لها جبين أي عاقل.

أتساءل عن المسؤولية الأدبية للجهات المانحة للتراخيص سواءً الوزارات المعنية أو المؤسسة العامة للتدريب التقني والمهني؟ مثلًا ما شروط إعطاء التراخيص؟ وهل سيتم سحب تراخيص العمل من جهة تقبل بوضع اسمها وختمها على شهادات تدريب (شكلي) لا يساهم في تحسين واقع الإنسان، بل قد يخدعه ويساهم في خداع غيره! هل من جهة نظامية تستقبل هذه البلاغات في حال أردنا الإبلاغ عن مثل هذه الممارسات؟ تساؤلات كثيرة تحتاج جوابًا شافيا في ظل رواج هذا النوع من التدريب في مختلف الموضوعات، مثل دورات ما قبل الزواج وفهم النفسيات، ولغة الجسد، وفهم تواقيع وخطوط البشر وأسرار المكياج وفنون الطبخ وغيرها.. لكل دورة سعرها الذي يتماشى مع أهمية الموضوع واسم المدرب وتخصصه ودرجته العلمية، إذ انساق في هذا المنزلق على ما يبدو مدربون ومدربات من حملة الشهادات العليا للأسف. لستُ عالمة ولا فقيهة، ولكن ألا يدخل هذا التدريب الوهمي في باب أكل أموال الناس بالباطل؟

يبقى سؤال أهم، وهو لماذا ينساق مجتمعنا بسهولة لأشكال الخديعة الإلكترونية؟ مرّ مجتمعنا بصدمات عديدة في وسائل التواصل الاجتماعي منها خديعة سارة إبراهيم التويترية الشهيرة، وتكرار هذه الخديعة بصور مختلفة يعني ببساطة أننا لم نتعلم من أخطائنا، ولا زلنا نكرر السقوط في اختبار الفطنة مرة بعد مرة.

إذن ما هو الحل؟ أظن على المجتمع توعية أفراده وتشجيعهم على فلترة ما يمرّ بهم من رسائل أو إعلانات وغيرها.. كذلك لا بد من رفض هذه التصرفات غير المسؤولة التي تصم مجتمعنا بالغفلة وتستغل بعض الثغرات في الأنظمة إلى أن نرى تحركًا رسميًا لإيقاف مثل هذا العبث في سوق التدريب وغيره. ودمتم بوعي!