فيما يمكن تسميته بـ"ميتا الهويات" تتحكم الخرائط الفكرية التي نتصور من خلالها "الأنا" و"الآخر" بتفكيرنا السياسي والاجتماعي وبتصورنا للمشاكل والحلول. ذكرت سابقا عددا من النماذج الشهيرة للخرائط الفكرية التي يمكن أن نتصور المعادلة البشرية من خلالها. هذه النماذج شملت: الشرق/ الغرب، المسلمين/ الكفار، العرب/ غير العرب، السعوديين/ غير السعوديين، طبقة الفقراء/ طبقة الأغنياء. كل طرف من هذه الثنائيات يحمل تصورات معينة عن الجماعة البشرية التي يعبّر عنها، وكذلك عن العلاقة التي يجب أن تجمع أفرادها بأفراد الجماعات الأخرى. هدف هذا المقال وما يليه هو التفكير في هذه الخرائط والتقسيمات وتحويلها من قاموس لغوي يحكم التفكير إلى مادة للمراجعة والتساؤل والفحص. هذه العملية يفترض أن ترتكز على محورين أساسيين: أولا: التفكير في طبيعة هذه التقسيمات، وثانيا: التفكير في آثار هذه التقسيمات على العلاقات بين الأفراد والجماعات.

بالنسبة للهدف الأول وهو مساءلة طبيعة هذه الخرائط، فهو هدف جوهري باعتبار أن هذه التقسيمات تقدم في اللغة الاجتماعية والسياسية عند من يتبناها وكأنها خرائط طبيعية. بمعنى أن هذه التقسيمات تقدم بمعزل عن ظروفها التاريخية. ولذا بدلا من فهم هذه التقسيمات على أنها نتيجة لظروف تاريخية محددة تقدم هذه التقسيمات وكأنها تعبير عن الطبيعة البشرية أو عن عوامل خارقة للتاريخ. لهذا السبب فإن المهمة المقصودة هنا هي إعادة التفكير في هذه الخرائط وفق ظروفها التاريخية التي نشأت عليها ومقارنتها بالظروف المعاصرة. هذه العملية يفترض أن تفتح الباب لهذا الاحتمال: الخريطة الفكرية أنشئت في ظروف لم تعد متوفرة اليوم، وبالتالي لم يعد من المفترض التسليم بهذه الخريطة.

على سبيل المثال يمكن مراجعة التقسيمة الكلاسيكية للعالم كعالم شرقي مقابل عالم غربي. هذه التقسيمة الكلاسيكية نشأت في مراحل تاريخية كان التواصل البشري فيها محدودا مقارنة باليوم. في تلك الفترات لم يكن النقل الجوي ولا النقل الإلكتروني متوفرا. كذلك كان النقل البحري والبري متوفرا في حدود ضيقة ولفئات محددة. الجماعات البشرية كانت مغلقة على بعضها بشكل كبير مقارنة باليوم. كان الآخر والغريب بعيدا ومفارقا وترافق صورته الخيالات والتوهمات. ذلك العالم كان محكوما برغبات دينية وسياسية واقتصادية لقوى مختلفة كان يهمها تصوير الآخر بشكل نمطي يساعد على تمرير القرارات تجاهه.

مثلا القوى الاستعمارية كان ترغب في تصوير الشرق على أنه عالم خرافي لا يؤمن بالعقل، مما يساعد على اجتياحه عسكريا، باعتبار أن أهله لا يجيدون التعامل مع الواقع وتعقيداته التجارية والعلمية. في المقابل كانت قوى أخرى تحاول تصوير الغرب على أنه فضاء مادي بحت لا وجود للروحانيات ولا للأخلاق في أطروحاته. هذه الصورة النمطية تهدف إلى حجب الناس عن الأفكار "الغربية" التي تهدد السلطات التقليدية.

سؤالنا هنا: هل هذه الظروف لا تزال "تحكم" الواقع اليوم؟ خصوصا مع الثورة التواصلية الهائلة في العالم. هذه الثورة تتمثل في اختلاط بشري غير مسبوق. من يتأمل صور الرحلات الدولية اليوم بين مدن العالم يعرف أن البشر من أعراق وثقافات وديانات مختلفة يتحركون باتجاهات غير تقليدية ويختلطون بغيرهم بشكل مذهل. كذلك من يتأمل حركة التواصل الإلكتروني بين البشر اليوم يعرف أن الحواجز التقليدية بين الجماعات والأفراد قد تهاوت بشكل كبير. هذا التغيير في الواقع يفترض أن يلحق به تغيير في تصوراتنا عن الواقع، لذا فالتقسيمات التقليدية للعالم كشرق وغرب لم تعد حقيقة تصف الواقع ولا تعبر عنه.

هذه التصور قد يبدو بديهيا ومباشرا، لكن واقع جغرافيا الفكر أكثر تعقيدا. الخرائط التقليدية أسست التصورات التاريخية والمخيال العام للواقع وليس من السهل التخلص منها أو حتى مراجعتها. كذلك هذه الخرائط ارتبطت بمصالح قوى تدافع عنها (سأترك هذا الجانب لنقاش لاحق). بمعنى آخر فإن هذه التقسيمات متغلغلة بشكل عميق في القاموس والمخيال العام وفي التصورات التاريخية والأدبية والفنية للماضي والحاضر والمستقبل. هذه الحالة تجعل من مرور هذه التصورات سريعا وبعيدا عن حاسة الشك والمساءلة.

الكشف عن تاريخانية هذه الخرائط مهمة أساسية لأي مشروع فكري يريد التعامل مع الواقع بدلا من التعامل مع الخيال. التعامل مع الواقع هنا يشمل الرغبة في تغييره لكن لا يمكن تغيير الواقع بدون التعرف عليه. الخرائط الذهنية لجغرافيا البشر يمكن أن تعيق التفكير إذا كانت تنتمي لظروف تاريخية قديمة. خرائط الفكر التقليدية تقدم العالم بشكل ساكن وثابت، بينما العالم وتركيبته البشرية يتحركان باتجاهات مختلفة وبسرعات مفاجئة في كثير من الأحيان، ومن الضروري أن تكون التصورات الذهنية مترافقة مع هذه التغييرات. إن لم يحصل هذا الترافق تحولت تلك الخرائط إلى عوائق في طريق فهم الواقع وبالتالي فهم كيفية التعامل معه. يذكر جون ديوي أن المغالطة الفكرية الأكثر انتشارا هي أن تتحول الأفكار والتصورات الذهنية حكما على التجارب والخبرات المباشرة بدلا من أن تكون تلك التجارب والخبرات مجالا لاختبار وفحص تلك الأفكار والتصورات الذهنية.