يسمع أحد الأشخاص طرقا على باب
داره، فيقوم ليجد زائرا بهيئة غريبة،
فيدور بينهما حوار يقدم فيه الزائر
عرضه المقترح بقوله: "هذا صندوق له
مفتاح وحيد. يلزمك فقط أن تضغط
عليه لتحصل منّي على مبلغ كاف لحل
مشكلاتك المالية التي تمر بها هذه
الأيام". فيرد عليه صاحب الدار: "وما
الذي يحدث حين أضغط على المفتاح"؟
ليجيبه الزائر: "حين تضغط على المفتاح
هناك شخص بعيد جدا، لا تعرفه أبدا،
سيموت". يترك الزائر صندوقه ويمضي
ليعاني صاحب الدار طوال الليل من
حيرة أخلاقية. يحوم حول الصندوق
أحيانا ويحدق فيه أحيانا ويعرض عنه
متعرق الجبين في أحيان أخرى! يستولي
على الرجل أخيرا تفكيره في وضعه المالي
البائس، فيقفز إلى الصندوق ويضغط
المفتاح. لم يحدث شيء سوى الهدوء
وخيبة الأمل وشيء من الشعور السيئ
الخافت. يعقب ذلك طرقة على الباب،
ليظهر الرجل الغريب نفسه يحمل المبلغ
الذي وعد به ويطلب استرداد صندوقه.
يشاهد صاحب الدار زائره منصرفا
بصندوقه فيتبعه سائلا: "مهلا، ما الذي
سيحدث الآن؟" فيجيبه الزائر الغريب:
"سآخذ هذا الصندوق إلى شخص آخر
بعيد جدا، شخص لا تعرفه إطلاقا".
في كتابه الذي ترجمه أستاذنا حمزة
المزيني بعنوان (الحيوات السريّة
للدماغ)، وظف عالم الأعصاب ديفيد
إيجلمان القصة أعلاه في شرح المعركة
التي تدور في ذهن أي إنسان بين
انفعالاته الرغبوية وروادعه العقلانية
والأخلاقية، في محاولة لبيان أثر مدى
المعرفة والمسافة التي تفصل بين
الجاني وضحيته على قراره المتعلق
بإيذائه لها، حيث يبدو أن أثر الرادع
الأخلاقي يضعف لدى الجاني مع كل
ابتعاد أو حجاب يحول بينه وبين
ضحيته. من المؤسف أن الظروف التي
تسمح بمثل هذه المساحات الحاجبة
قد تزايدت في العصور الحديثة، ولعل
هذا أحد أهم عوامل تزايد العنف في
عالمنا اليوم. فأعتى الجناة في عالمنا لا
تتاح لهم فرصة التفاعل المباشر مع
ضحاياهم والوقوف على آلامهم حال
اتخاذ القرارات الكارثية المتعلقة بهم
وتوقيعهم عليها. عالمنا اليوم هو عالم
القتلة المبتسمين للشاشات بياقاتهم
البيضاء واللصوص المتشوفين للفلاشات
ببذلاتهم السوداء.
ولكن من زاوية أخرى، فلنتساءل:
ماذا عنا نحن؟ نحن البسطاء المعزولون
عن كل توقيع أو قرار ذي خطورة؟ إلى
أي مدى من الممكن أن نعتبر أنفسنا
أبرياء تجاه ما يحدث في عالمنا؟ كم
نضغط في حياتنا من المفاتيح التي قد
تسبب الهلاك لأشخاص آخرين يعيشون
بعيدا عنا لا نعرفهم إطلاقا، كما في
القصة أعلاه؟
ربما علينا أن نفكر في ذلك من جديد،
خصوصا عندما نعرف أن العالم بات
متشابكا على نحو غير مسبوق والأمثلة
على ذلك كثيرة.
من المفيد في نظري تأمل أحد الأسئلة
المطروحة بهذا الخصوص في فلسفة
الاقتصاد، وأعني التساؤل عن السبب
الحقيقي وراء تجريم التبذير، أو
استهلاك الإنسان ما يفوق حاجته؟ وهل
لهذا ارتباط واقعي بضرر يعود على
الآخرين؟
معلوم أنك عندما تنفق على سلع
استهلاكية تؤثر سلبا على ميزانية
أسرتك، فأنت ترتكب جناية بحق نفسك.
ولكن ماذا لو أن إنفاقك على هذه السلع
لا يؤثر على طريقة عيشك، مع كونه
لا يزال إنفاقا على سلع استهلاكية لا
تحتاجها احتياجا حقيقيا؟
يزعم المفكر الاقتصادي المعروف
ثورستن فبلن أن ذلك أيضا لا يخلو من
جريمة بحق العالم. لفهم هذا الزعم
علينا أن نعرف أن كل ما ينتجه العالم
من سلع يمكن تقسيمها إلى نوعين هما:
(سلع تنموية) يؤثر وجودها على صنع
عالم أكثر إنسانية، وسلع استهلاكية
لا تفيد العالم ولا يؤثر غيابها على
العالم بشكل سلبي. بإمكاننا التمثيل
للنوع الأول بالسلع المتعلقة بالغذاء
والدواء والمعرفة والمواصلات ونحو
ذلك، كما بإمكاننا التمثيل للنوع
الثاني بالمنتوجات الترفيّة المستعملة في
التباهي وكسر الملل. المؤسف أن تمدّد
أحد النوعين لا بد أن يكون على حساب
الآخر، ولهذا فإن انصراف الميسورين
وغيرهم إلى شراء السلع الاستهلاكية
ينشط تجارتها ويشجع على توجه مزيد
من رؤوس الأموال العالمية للاستثمار
فيها، ليس هذا فحسب، بل يساعد على
اقتطاع مزيد من موارد الأرض الطبيعية
وتسخير مزيد من الأيدي العاملة في
سبيل توفيرها للمستهلكين. قد تنحسر
بسبب ذلك فدادين القمح ومصانع
الأدوية، بل حتى معاهد التعليم وبناء
الإنسان بسبب ارتفاع التكلفة التي
تحدثها مزاحمة السلع الاستهلاكية.
من الممكن تصور هذا إذا وسعنا مجال
رؤيتنا ليشمل العالم ككل.
لأسباب عديدة متعلقة بطبيعة حياتنا
اليوم لا يمكننا أن نتسم بالصرامة
الأخلاقية في ما ننفقه، ولكن لا مانع من
التساؤل: كيف من الممكن أن يؤثر على
قرارنا تجاه شراء سلعة من باب الترف،
تصورنا أننا بذلك قد نكبس مفتاحا
يموت بسببه طفل لا نعرفه شحّ عنه
الطعام في جانب آخر من هذا العالم؟!