عشت العقدين الأولين من حياتي قروياً بامتياز ولعله من أجل هذا أحمل معي ما تبقى من بعدها تلك التقاليد والأعراف المنقرضة، ودائماً ما أشعر أن الإنسان أسير ألبوم الصور الأولى من حياته، وأنا أحمل وراء ظهري كل يوم كان من هذين العقدين. أشعر مع القرية بتناقض المشاعر: حنين الأيام الأولى، وأيضاً تلك المنطقة الرمادية التي أعيشها الآن، فأنا لا أكرهها ولكنني أيضاً غير محب لها. دلفت المدينة ساكناً للمرة الأولى مع بدء الحياة الجامعية ويومها كانت الفوارق شاسعة ما بين أطفال المدينة وشباب القرى الوافد إليها. كان شباب القرى يعبرون أرصفة المدينة بمحاذاة جدران العمائر، وكم أكلت هذه الجدران من أكتافي خوفاً من طوابير السيارات، بينما كان أطفال المدينة يتمايلون بينها مثل الثعابين بلا ذرة من خوف. أنا من الجيل الذي استمتع بالفوارق ما بين زمانين ولهذا تغيب الدهشة، أولادي عندما أحكي لهم قصة أول سيارة ركبتها في حياتي، وأول فطيرة سندويتش، وأول مرة أجلس فيها على طاولة طعام في مطعم، مع كل القصص الأولى من كل أحداث حياتي من مدماك الطين إلى زجاج فنادق النجوم السبعة. وذات مرة قال لي خلدون الصغير أنت يا أبي "ديناصور" تحول إلى إنسان في تشبيه لاذع ذكي لا يخلو من السخرية.

وحتى مع الغربة الدراسية عشت الفوارق ما بين بعثتين: شبابنا اليوم يذهبون إلى جامعات الغرب أجساداً ولكنهم مع ثورة الاقتصاد يعيشون هنا مع أهلهم صوتاً وصورة بالدقيقة الواحدة، سمعت صوت والدتي للمرة الأولى بعد وصولي لأميركا بعد أربعة أشهر، ثم عشت لأشاهدها تسهر مع أحفادها الكثر وأطفالهم عبر التطبيقات الإلكترونية لحظة بلحظة. مبتعث اليوم لا يتحدث الإنجليزية إلا لغة التحية وهو يدخل المحاضرة، وعلى أيامي هناك كنا سبعة سعوديين فقطن وكنا بالكاد نلتقي لساعتين نهاية الأسبوع. ولأنني يومها صاخب واجتماعي فكنت مضطراً لتكوين صداقات مختلفة في المجتمع الجديد، وعرفت أشخاصا من شيلي إلى بولندا ومن مالي إلى هولندا. قضيت ليلة عيد الشكر في "كانسس" على بعد ساعتين بالطائرة بدعوة من عائلة أميركية. كنت أعرف أنها فكرة إرسالية تبشيرية ولكنني واثق أن باستطاعتهم أن يضعوا أصابعهم في جوف الشمس مع استحالة هز قناعة مسلم حقيقي. حضرت زفاف صديق دراسة زائيري مسيحي أسمر إلى فاتنة هندية بيضاء، وفي الحفل اكتشفت أنها مسلمة فذهبت إليها هامساً ناصحاً أن هذا لا يجوز. وأتذكر فيما بعد كم كانت تتهمني بالتحجر والجمود وبالتناقض حد الانفصال، وخصوصاً عندما تدهشها المقارنة ما بين حياتي القروية التي كنت أرويها لهم كالشلال وبين حياتي الأميركية.