في الأسبوع الماضي صدر حكم محكمة التحكيم الدولية الدائمة بـ"لاهاي" لصالح الفلبين بأنه لا يوجد أساس قانوني لمطالبة الصين بحقوق تاريخية في بحر الصين الجنوبي. هذا القرار كان متوقعا لحكومة الصين التي أعلنت مرارا أنها لا تعترف بالقضية التي رفعتها الفلبين في يناير 2013 من أجل قضية التنازع على جزر في بحر الصين الجنوبي، وأن القضية رفعت من جانب واحد، وأن ذلك مخالف لوثائق ثنائية تم تأكيدها أكثر من مرة بأنه يجب حل النزاعات عبر التفاوض والتشاور وبالطرق السلمية، وأنه مخالف أيضا لـ"إعلان سلوك مختلف الأطراف في بحر الصين الجنوبي" الذي وقعته الصين ودول اتحاد جنوب شرقي آسيا بما فيها الفلبين في عام 2002، رغم أن القرار كان متوقعا لحكومة الصين ولا توجد أي جهة تستطيع أن تجبر الصين على تنفيذ القرار وتلزمها به، إلا أنه كان قرارا أثار غضب كثير من المسؤولين، وكانت ردات الفعل متباينة ما بين الدعوة لحل النزاع عبر المفاوضات والاستعداد لأي مواجهات عسكرية في بحر الصين الجنوبي بين الصين والفلبين، أو بين الصين والولايات المتحدة التي تحاول بكل قوتها إجبار الصين على الانسحاب من جزر سرابتلي وسط تهديد صيني من أي تدخل عسكري في المنطقة مع احترامها لاستخدامه كمجال ومعبر بحري وجوي دولي. كانت أول ردة فعل رصدت من الصين بعد قرار محكمة لاهاي الدولية هي تصريح الرئيس الصيني شي جين بينج الذي أكد أن الحكومة الصينية تصر وتعمل على السلام والاستقرار في بحر الصين الجنوبي، وبحل النزاعات عبر التفاوض، مؤكدا أن بكين لن تتعامل مع أي عمل أو اقتراح يستند على قرار محكمة لاهاي، وأنه تحت أي ظرف لن تتأثر مصالح الصين وسيادتها على بحر الصين الجنوبي بالحكم.

تستند الصين في مواجهتها لفرض سيادتها على بحر الصين الجنوبي  للعديد من الأدلة التاريخية، وقد ذكرتها في كتابها الأبيض الذي أصدرته الأربعاء الماضي 13 يوليو 2016 بعنوان "الصين تتمسك بالتفاوض لتسوية النزاعات المتعلقة بين الصين والفلبين في بحر الصين الجنوبي" نتيجة حكم محكمة لاهاي الدولية، وتقول الصين في كتابها إن سيادتها على جزر بحر الصين تم إثباتها في التاريخ، وإنها اكتشفت جزر بحر الصين الجنوبي، وأطلقت عليها الأسماء واستغلتها قبل غيرها، وبدأت ممارسة السيادة عليها قبل غيرها، وإن المؤلفات التاريخية الصينية القديمة تثبت ذلك، مثل كتاب "ييووتشي" أو "سجل الأشياء الغريبة" في عهد أسرة هان الشرقية، وكتاب "سجل فونان" من عصر الممالك الثلاث وغيرها من السجلات والكتب في عهد أسر عديدة حكمت الصين عبر التاريخ، كلها تثبت أن هذه الجزر كانت تحت حكمها، وإن هناك إثباتات بأن الملاحين الغربيين اقتبسوا بعض الأسماء التي أطلقها الشعب الصيني على جزر بحر الصين الجنوبي، ووضعوها كهوامش على بعض دلالات الخرائط البحرية الموثوق بها في القرنين الـ19 والـ20، وإن هناك العديد من الوثائق الأجنبية سجلت حقائق بأن الصينيين هم وحدهم من مارس الإنتاج وعاش على جزر نانشا خلال فترة طويلة مثل "الدليل البحري الصيني" الصادر عن أميرالية المملكة المتحدة في عام 1868، كما أن المجلة الفرنسية "الرسوم الملونة للعالم المستعمر" الصادرة في سبتمبر 1933 تذكر أن أبناء هاينان الصينيين يسكنون وحدهم على الجزر التسع التابعة لجزر نانشا، وأنه لا أحد من دولة أخرى يسكن فيها. ذكرت الصين في كتابها الأبيض العديد من الدلائل التاريخية التي تثبت أحقية تملكها جزر البحر الجنوبي، داعية الفلبين إلى طاولة التفاوض والحوار وحل النزاع عبر الطرق السلمية، بينما رفضت مانيلا أي حوار مع بكين خارج إطار قرار محكمة التحكيم الدائمة، مطالبة الصين باحترام قرار المحكمة، والانسحاب من جزر بحر الصين الجنوبي دون أي أحقية في استغلال موارد المنطقة.

وصلت النزاعات حول جزر بحر الصين الجنوبي إلى نقطة حرجة جدا تنذر بقرب مواجهات عسكرية في حالة عدم نجاح مساعي الصين لحل الخلاف عبر التفاوض مع الفلبين، فهل ستوافق الفلبين على مطالب الصين للجلوس على طاولة الحوار والتفاوض أم أنه حان وقت الحسم العسكري الذي كررت الصين في تصريحات مختلفة بأنها رغم تمسكها بحل النزاعات سلميا عبر التفاوض إلا أن قواتها المسلحة ترفض أي انتهاك لجزرها ومستعدة دائما لفرض سيادتها على هذه الجزر؟