لم يتهم الرئيس التركي رجب طيب إردوغان وأركان حزبه الحاكم، الذي يُنسب إلى التيار الإسلامي السياسي، أحزاب المعارضة ذات الوجهة العلمانية، ولا القوى العلمانية في المؤسسة العسكرية بتدبير الانقلاب الفاشل ليلة 15-16 يوليو، بل اتجه اتهامهم على الفور إلى الداعية الإسلامي التركي فتح الله غولن، ومجموعته المسماة "حركة خدمة" المنسوبة، هي الأخرى، إلى صفة إسلامية يصعب تبين الفرق بينها وبين حزب إردوغان. وقد كان غولن داعما لإردوغان حين فاز حزبه في الانتخابات عام 2002، ونال هو ومجموعته "حركة خدمة" ثناء كثير من الدعاة والمشايخ الحركيين، وتزكيتهم، في العالم الإسلامي، لا سيما في المملكة ودول الخليج.

أما الاتهام لغولن ومجموعته بتدبير الانقلاب، فجاء ملحّا وعنيفا وصادما، خصوصا لمن اطلع على الثناء عليه، ولمن عرف التقارب بينه وبين إردوغان على خلفية واحدة. ومن بين تصريحات متعددة، يمكن أن نقتبس للدلالة على صيغة الاتهام تلك، قول نائب رئيس الوزراء المتحدث باسم الحكومة التركية نعمان كورتولموش: "إن منظمة الكيان الموازي الإرهابية، التي توغلت في صفوف القوات التركية المسلحة، بشكل غير مشروع وغير إنساني، هي من خططت ونفذت محاولة الانقلاب".

ثم إضافته: "إن هذه المنظمة تمتلك مفهوما دينيا منحرفا يميل إلى الدكتاتورية العسكرية... وعند النظر من هذا الجانب، فإن هذه المنظمة لا تختلف ذرة عن تنظيم داعش الإرهابي".

هذا الاتهام، حتى لو افترضنا أن الانقلاب يخبِّئ غموضا لن ينكشف بهذه السرعة، أو أنه لن ينكشف أبدا، هو في حد ذاته قمين بالتأمل. فمن جهة، يمكن أن نركز على الواقعة بوصفها انقساما على المبدأ الحزبي الديني، فلماذا لم يبق في حدود الاختلاف الديموقراطي، كما هو حال الاختلاف الأكثر جذرية بين حزب العدالة والتنمية والأحزاب المعارضة التي تتقاسم معه البرلمان: حزب الشعب الجمهوري، وحزب الحركة القومية، وحزب الشعوب الديموقراطي؟! وما صلة هذه النقمة بين الاتجاهين ذوي الخلفية الإسلامية، وبين ظاهرة الانشقاقات العدائية المتكررة داخل التيار الإسلامي الحركي، وبينه وبين غيره من التيارات والأحزاب السياسية على طول العالم العربي والإسلامي وعرضه؟!

ومن جهة ثانية، فإن فشل الانقلاب يستدعي التأمل، في ضوء الاتهام المتبادل بين وجهتين يجمعهما المبدأ الديني السياسي. فمَنْ أفشل الانقلاب هو الشارع التركي؛ هو الشعب الذي وقف بصدور المدنيين العارية أمام قوة العسكر، وأعلن رفضه الوصول إلى كرسي السلطة على ظهر دبابة أو تحت التهديد ببندقية. والذين يتحدثون عن فشل الانقلاب بسبب ثغرات في خطته وضعف في تنفيذه، لا يبرحون مرمى التساؤل عن عدم خروج الشارع لتأييده أو حتى للانقسام بين رفضه وتأييده. وهذا انتصار للمبدأ الديموقراطي، وليس لإردوغان ولا لحزبه، لأن من صوَّت لإردوغان ومن صوَّت لغيره اجتمعوا على رفض الانقلاب، وزعماء الأحزاب المعارضة وقفوا بالدرجة نفسها التي وقفها أركان الموالاة في شجب الانقلاب.

هذا الانتصار للمبدأ الديموقراطي، يعني تحرر الإرادة الشعبية من الاستعباد للقوة وللأشخاص وللأيديولوجيات. كما يعني أن القبول بالتعدد والاختلاف شرط أولي لا يكون المبدأ الديموقراطي إلا به.

والثالثة أن الحدث، من حيث وقوعه بين قوتين موصوفتين بالانتماء إلى الوجهة الإسلامية، الوجهة المتهمة سياسيا بالسعي إلى الانفراد بالسلطة ورفض تعدديتها والتداول السلمي لها، له تفاعلاته وانعكاساته المفترضة على فكر الحركات السياسية الإسلامية خاصة، وعلى غيرها من الأحزاب عامة، وأيضا على الحكومات، في امتداد العالم العربي والإسلامي. فلقد مثّل حزب العدالة والتنمية التركي بقيادة إردوغان نموذجا للقبول بالتعددية ليس في قبول الاندراج والتشارك مع غيره من الأحزاب، بل حتى في وجود نائب أرمني مسيحي فائز على قوائمه، ولم يمارس الحزب بحكم انتمائه الديني انتقاصا دينيا لغيره من الشركاء، فبقي معنى الدولة لديه في المسافة التي تتساوى أمامها كل الطوائف والمذاهب. وكان الامتياز الأكبر له في النجاح الاقتصادي، إذ قفزت تركيا من المركز الـ111 إلى الـ16 في نادي مجموعة العشرين. فكأن الحدث وهو يستحضر ذلك من حيث هو سبب لرفض الشعب التركي للانقلاب، يحجُّ الأحزاب التي تفرض نفسها على الناس، فقط، بالتزكية الدينية، أو بأي تزكية أيديولوجية أخرى، ويتحداها إلى رهانات جديدة مبدئية وعملية.

هكذا يصبح توجيه الاتهام بتدبير الانقلاب إلى فتح الله غولن ومجموعته "حركة خدمة"، ممتلئا بما طرحناه أعلاه، ولو كان المتَّهم قوى "غير إسلامية" لاتجهت الدلالة إلى التآمر على سلطة حزب بخلفية إسلامية، وخدمة أجندات غربية. ولتحوَّل فشل الانقلاب، بسبب الرفض المدني له، من دلالة على انتصار الوعي الشعبي للمبدأ الديموقراطي إلى انتصار للإسلام السياسي الذي سيُفترض عندئذ أن الحزب استغل وجوده في السلطة لترسيخه ونشره. أما الانعكاس على فضاء السياسة العربية والإسلامية، فسيكون مزيدا من الحشد للجماعات الإسلامية والتعميق لرفضها للآخر وكفرها بالتعددية. وإذا كان افتراض المتَّهم على هذا النحو، أي قوى "غير إسلامية"، فرصة لإمداد حزب العدالة والتنمية، بالذرائع والأسباب التي يخدم بها الصفة الدينية في وجهته، وتخصيص امتيازه، فإن الفرصة بدت أكثر اتساعا في إفادته من الانقلاب الحالي، من حيث صدوره عن منافسه على الاتصاف بالمبدأ الديني نفسه. وأحد وجوه إفادته هذه هو القضاء على منافسه من الوجهة الدينية، وتفرده بتمثيلها، أمام المعسكر العلماني. ويمكن، من هذه الوجهة، قراءة "التطهير" الواسع للتعليم والمؤسسات الدينية وغيرها، الذي مارسته حكومة إردوغان بعد فشل الانقلاب.

والنتيجة التي نراها في ضوء ذلك تتعزز بقراءة تاريخ الصراع على السلطة تحت لافتات دينية بين أحزاب أو أشخاص، على امتداد العالم الإسلامي. فالتنافي المتبادل بين هذه الجماعات كثيرا ما يفوق تنافيها مع الأحزاب غير الدينية. والانشقاقات الداخلية التي تُنتج العنف وتبادل الإقصاء فيها، متكررة ونمطية إلى الدرجة التي يمكن وصفها بالقانون، وهو قانون أكثر رسوخا كلما كانت الجماعة أو الأشخاص أكثر أصولية وحديَّة وصلابة. وهذه مسألة غير مطروحة نظريا وبجدية لائقة داخل أدبيات الجماعات الإسلامية، إلا بتفسيرات هروبية، مثل: تبادل اتهامات النفاق، والأنانية، والتمرد على القادة، والتنازل، و"الانبطاحية". أو الإحالة على مؤامرات الأعداء... الخ. ولكنها إشكالية بنيوية تكمن في التكوين المبدئي للتحزب الديني الذي تذرعت به هذه الجماعات، حتى أصبح "الإخوة الأعداء" أصدق وصف لها.