غيرت الثورة الهائلة التي حدثت في مجال التقنية والإعلام والاتصال من المفاهيم لدى القراء والمشتغلين بالصحافة على حد سواء، فالقارئ صار يبحث عن الخبر المباشر والسريع، من خلال مصادر مختلفة ومتنوعة، ولم تعد الصحافة المصدر الوحيد للمعلومة أو الخبر كما كانت عليه سابقا، ولهذا حاولت الصحف التقليدية مجاراة هذا الأمر من خلال مواكبة التغير الذي طرأ على مهنة الصحافة، وأنشأت الصحف -التي توصف سابقا بأنها تقليدية- مواقع إلكترونية تعتبر نسخة محدثة عن النسخة الورقية مواكبة للعصر الإلكتروني التي أصبحت فيها أخبار النسخة الورقية "بائتة"؛ فنشر الخبر سريعا عبر الموقع الإلكتروني للصحيفة، أو صفحتها الرسمية على موقع التواصل الاجتماعي، أو عبر حزم الرسائل النصية هو أشبه بسباق لدى جميع وسائل الإعلام، يجب أن يتخطى حاجز الزمن.
وعلى الرغم من أن قضية "السبق" الصحفي أصبحت نسبية لدى وسائل الإعلام، في ظل وجود الإعلام الموازي المتمثل في وسائل التواصل الاجتماعي، فإن "التغطية الخبرية -لا الخبر ذاته- هو ما يميز وسائل الإعلام الحديثة ولا سيما المرئية منها، يكون "المقال الصحفي" هو الميزة التي ما زالت الصحف العريقة تعتني بها، وتحاول أن تظهر تميزها في جانب الرأي بشكل خاص، إذ تتميز المقالة بكونها الركن الرئيس في معظم الصحف التقليدية، نظرا للخبرة المفترضة لدى الصحف ممثلة في كاتب المقالة من جهة والهيئة التحريرية من جهة أخرى، مما يمكن أن يظهر المقالة بشكل أفضل تعبيرا عن قضية ما أو تحليلا لها.
هذا وقد كانت الصحافة السعودية لعقود طويلة صحافة خبرية، إلى أن تغير المفهوم فأصبحت تتجه إلى أن تكون صحافة رأي، بعد أن أصبح الخبر مشاعا وتقلصت فيه ميزة الأسبقية، بل إن مقال الرأي تحديدا كان في فترة من الفترات أشبه ما يكون بنافذة وحيدة على الثقافة والسياسة والتعليق على الأحداث العالمية، بل إن مقالة الرأي في الصحافة السعودية - وفي صحيفتنا "الوطن" تحديدا - كانت منذ بدايات الألفية الثالثة نواة للتنوير الثقافي، وأنموذجا لحرية التعبير عن الرأي في وسائل إعلامية خاضعة لسياسات تقليدية، ونافذة يمكن للعالم من خلالها رؤية التطورات الفكرية والثقافية والاجتماعية التي تمرّ بالمجتمع السعودي، إلا أنها تراجعت نتيجة عاملين رئيسيين:
الأول هو هامش الصحافة نفسه، والثاني هو تأثير تكنولوجيا الإعلام والاتصال التي تنافس الإعلام التقليدي كوسيلة تعبير سهلة وسريعة وذات آفاق أوسع وأرحب، فلم يعد الخبر حكرا على وسائل إعلام معينة، ولم يعد حق التعبير مقيدا في ظل وجود وسائل إعلام البديل/الموازي، ما أسهم في تضاؤل وهج الرأي، وظهور الميل إلى الاختصار الشديد جدا، فما ما كان يريد الكاتب التعبير عنه في نصف صفحة سابقا في صحيفة ما (ورقيا أو إلكترونيا) أصبح يمكنه اليوم أن يعبر عنه في كلمات قليلة، بل أصبح مستخدمو وسائل التواصل الاجتماعي فاعلين في صناعة الخبر وتغطيته بشكل ذاتي سريع، ولذلك تقلصت مساحة النص المقروء من عدد الكلمات إلى عدد الحروف، فمئة وأربعون حرفا بـ"تغريدة" في موقع تويتر أصبحت عاملا رئيسا في صياغة الرأي العام، كما أن الصور الثابتة والمتحركة والروابط الإلكترونية أصبحت كافية للتعبير.
وفي ضوء هذه التغيرات الهائلة في الأفكار والوسائل والمفاهيم، نجد لزاما علينا عدم إنكار دور الكاتب والمثقف والصحافة التقليدية في الإسهام بتطور ذهنية المتلقي وفكره، فما كان يناقشه مثقف كبير -لديه العديد من المؤلفات- على مساحة واسعة من صفحات الرأي، يتناوله اليوم طالب جامعي بمساحة محدودة جدا على وسائل التواصل الاجتماعي.
ولكن في الإطار ذاته، ما زالت ذهنية "التجهيل" وبث الشائعات والأكاذيب تستثمِر بقوة في هذا التطور التقني الهائل محاولة صياغة أو إعادة صياغة الرأي العام، سواء على مستوى الأفراد والجماعات أو على مستوى الدول وصراعاتها السياسية، وهذا ما جعل ولوج المثقف إلى هذه الوسائل أمرا محسوما؛ على الأقل لكي يعبر عن دوره من خلال تجسيد فرضية المواطن الإلكتروني النشط.