عدت إلى حوار قديم يعود إلى عام 1997 جمع بين الدكتور عبدالله النفيسي والأستاذ عبدالرحمن الراشد، وكان هدفي من مطالعة الحوار هو معرفة رأييهما واستشرافهما لبعض قضايا المنطقة قبل عقدين من الزمن، خصوصاً أن موضوع الحوار يتعلق بإيران والخليج، وهو حديث الساعة الآن وكل ساعة، وقد كان لكل واحد منهما رأي مختلف عن الآخر، إذ كان النفيسي شعاراتياً ثورياً استمات دفاعاً عن إيران؛ يرى أن دول الخليج ليست أكثر من مستعمرات أميركية، وأنها لم تفعل شيئاً لفلسطين غير مباركة الخط الاستسلامي والشراكة مع إسرائيل، لذا فالمطلوب منها - بحسب رأيه - هو أن تبدي حسن نواياها تجاه إيران، مطالِباً بالتقارب معها، وكان يشير ضمنياً إلى أن العرب بدلاً من مطالبتهم إيران بإعادة جزيرة (أبو موسى) إلى الإمارات فعليهم أن يطالبوا إسرائيل بإنهاء احتلالها لفلسطين! على الرغم من أن مطالبة من هذا النوع لا تبدو منطقية، وهي تشبه تماماً اشتراط بعض المتعاطفين مع صدام حسين إنهاء احتلال إسرائيل لفلسطين قبل المطالبة بإنهاء احتلال العراق للكويت! بينما كان الراشد يرى أن إيران هي المطالبَة بتعزيز ثقة الخليجيين بها، مستدلاً بعدد من أعمالها الإرهابية في السعودية والكويت والإمارات، وأنه لا يمانع شخصياً من التعاون معها، بشرط أن تعيد جزيرة (أبو موسى) إلى الإمارات، خصوصاً أنها كانت آخر الجزر المحتلة من قبل إيران، حيث لم يكن قد مضى على احتلالها في ذلك الوقت أكثر من خمس سنوات، المهم أن أغلبية المتصلين قد انحازوا إلى رأي الدكتور النفيسي، وأحسب أن رأي المشاهدين كذلك، سيما وأنه يخاطب عواطفهم ويلامس أرواحهم بالضرب على وتر الدين، وأعتقد أن كاتب هذه السطور لو قُدِّر له متابعة ذلك الحوار في وقته لصفق معهم بحرارة.
أعترف أن محاكمة إنسان على رأيه قبل عقدين من الزمن ليست منطقية ولا عادلة، فالإنسان من المفترض أن يتغير بحسب نضجه وما يستجد من أحداث وما يصله من معلومات، إضافة إلى أن الحكم على الأشياء يختلف باختلاف تغيرها وتبدلها وزاوية النظر إليها، كما أن الإنسان قد يعيش قلقاً فكرياً واضطراباً نفسياً يدفعه إلى تغيير رأيه بناء على ما يتضح له من حقائق وما يأتيه من معلومات، فيخرج على ما كان يألف، وينكر ما كان يعرف، ويتمرد على من كان يظهر لهم الولاء والخضوع، وهذا ليس عيباً على الإطلاق، ما دام أنه مبني على أساس مبدئي، بل يمكن اعتباره صفة تميز الأحرار عن غيرهم، عندما يتجردون من كل شيء عدا الحقيقة، فيقولون ما يعتقدون أنه صواب لا ما تريد الجماهير أن تسمعه، لكن ذلك لا يبرر للإنسان أن يبدل رأيه كما يبدل ملابسه، فيتصرف على أساس مصلحته دون اعتبار لقيم أو مبادئ، وتراه منساقاً خلف الشهرة والغوغاء، يقول ما يعتقد أنه سيزيد في شعبيته ويجلب له الأتباع والجماهير، دون النظر إلى مبلغ تأثير رأيه على الناس، فالتحول يصير تناقضاً وهلوسة إذا لم يكن مبنياً على أساس مبدئي، أو تغير في المعلومات، وحين يكون مجاراة للغوغاء وطلباً للشهرة والمنفعة الخاصة، ومن غير المعقول أن إنساناً سوياً يعتنق رأياً ويتعصب له، وينافح عنه بشراسة، ثم يعتنق رأياً مخالفاً له تماماً ويدافع عنه بالحماسة نفسها دون تبرير منطقي لهذا التحول الحاد، فالسيرة الذاتية للدكتور النفيسي تكشف أنه من هذا النوع، فهو كما ينقل عنه أحد أصدقائه قد بدأ حياته ماركسياً متعصباً قيل إنه رفض بيع سيارته إلى أحدهم لمجرد اكتشافه أن المشتري غير شيوعي، لكنه لم يلبث أن انقلب على الشيوعيين وهاجمهم، ثم أعلن انضمامه إلى الإخوان المسلمين، وبعدها بفترة انقلب على الإخوان المسلمين والتحق بحركة (القوميون العرب الكويتيون)، ثم انقلب عليهم هم أيضاً وعاد إلى الإخوان المسلمين مرة أخرى، وبعد ذلك ترك الإخوان المسلمين وأصبح مؤيداً للثورة الإسلامية في إيران، لكنه لم يلبث أن انقلب على الثورة الإيرانية وعاد إلى (القوميون العرب)، ثم انقلب عليهم مرة أخرى وأعلن أنه من حزب الإخوان المسلمين، ثم عاد في عام 1989 واعتذر من (القوميون العرب الكويتيون) وطلب العودة إليهم. وبعد غزو الكويت أخذ يدافع عن الثورة الإسلامية في إيران حتى غزو العراق عام 2003، حيث انقلب عليها وتحول إلى شكله الحالي، والذي هو خليط من الإخوان المسلمين والقاعدة، فتراه يمالئ الجماعات المتطرفة ويبرر عنفها، وقد قال في محاضرة له قبل عام في البحرين : (أنتم بس يقولون إرهابي، قولوا هذا (رفيجنا)، ليش؛ لأن هذولا الإرهابيين بين قوسين، أتقى ناس في العالم، أشرف ناس في العالم، أحسن ناس في العالم)، كما ذكر أنه شَرُف بمقابلة الملا عمر، وقال عنه ما لم يُقَل في أبي بكر وعمر!.
مشكلة النفيسي أنه يطرح آراءه بوثوقية كاملة، وتأكيد تام، كما أن إيحاءاته ولغة الجسد لديه خادعة، إلى درجة أن كثيراً من المشاهدين يتعاملون مع وجهات نظره على أنها حقائق واضحة، ويعتبرون همساته أسراراً خطيرة، ونصائحه مسلمات، إضافة إلى أنه يتكلم بلغة التكفير لا التفكير، والمؤامرة لا الواقع، والتخوين لا الاختلاف في الرأي، ولذلك فهو من وجهة نظري قد احترف الاتجار بالسياسة، يحلل الأحداث بطريقة رومانسية حالمة وأبعد ما تكون عن الواقع، فهو يقول مثلاً لوفد الحكومة اليمنية: "لا تضيعوا وقتكم مع الحوثي (إيران)، بل: تحرير صنعاء منه ونزع سلاحه قبل أي شيء، لا تثقوا بولد الشيخ". فلا أدري ما حاجة الحكومة اليمنية إلى المفاوضات أصلاً إذا حررت صنعاء ونزعت سلاح الحوثي! إنه يُصوِّر للناس أن تحرير صنعاء يمكن أن يتم بجرَّة قلم!.