سأتحدث اليوم عن إحدى خبراتي مع من تواصلت معهم مؤخرا في زيارتي لإسطنبول، ليس فقط للتأثير الكبير الذي كنت متوقعة أن يحدث لشخصيتي من حيث التواصل مع إنسانيتي، أو لكمية المعلومات التي بعضها صدمني، بل لتلك التفاصيل التي لم أكن أعرف شيئا عنها! هذه المقالة هي الأولى التي سوف أفردها للطفل المشرد محمد العلي.
جلست يوما في مقهى وطلبت كوبا من الشاي مع صحن من الكنافة التركية، وما إن بدأت في تناول أول قطعة حتى شعرت بأنني مراقبة، تعرفون ذاك الشعور الذي ينتابنا حينما تكون هنالك أعين تنظر إلينا بتركيز. التفت حولي فلم أجد أحدا ينظر إليّ، وقبل أن أعيد النظر إلى طاولتي وجدت بجانبها كلبا أسود! "هذا أنت؟! ولكن الكنافة لا تصلح للكلاب"، تسمّر في مكانه ولم يتحرك! "حسنا، إليك بقطعة ولكن لا تلمني إن لم تعجبك"، ووضعت أمامه قطعة على محرمة ورقية، فاقترب منها متفحصا، ظننت أنه سيتركها ويمشي ولكنه تذوق قطعة صغيرة ثم اقترب أكثر وأكمل الباقي! هنا سمعت صوتا لم أعرف اتجاهه: "يطعمك من الجنة يا رب"، لم ألتفت وقلت في نفسي "آمين"، وهل تركني بحالي؟ كلا بل كان يرغب بالمزيد! وأعطيته المزيد وهذه المرة قلت: "يبدو أن ما طلبته سيكون من نصيبك"! وسمعت الدعاء نفسه مرة أخرى! هذه المرة تلفتت حولي فوجدت مجموعة من الكلاب يتوسطها طفل بالكاد استطعت أن أرى جانب رأسه! "على ما يبدو أنه كلبه" قلت في نفسي، ثم دفعت الحساب ومشيت.
في الليلة التالية وقد كانت ليلة العيد، وأنا أسير بالقرب من الشارع نفسه وإذا بالكلب ذاته يجري ويقفز حولي! هنا توقفت وتحدثت إليه: "الآن تركت الناس ولصقت بي"! فسمعت صوتا يرد من خلفي: "وهل ذنبه أن لم ينسكِ"! التفت لأجد طفلا بين الثانية عشرة أو الرابعة عشرة من عمره، بملابس رثة، لا يمكن أن تفرق بين سمار بشرته والأوساخ المتجمعة عليه! ولكن الخضار الذي كان في عينيه جعلهما أجمل ما رأيت في حياتي! توقفت وابتسمت، كانت هذه إجابتي، فتحدث هو: "خالة لماذا أنت لوحدك في هذا الطريق المظلم"؟، "إنه قصير ولا أظن أنني في خطر"، أجبته وهممت أن أكمل طريقي، لكنه اقترب وقال: "أنت صنعت خيرا مع أخي وسوف أرافقك حتى أول الطريق لنحمك"، "تفضل، ولكن أخبرني من هم إخوتك فلا أرى سوى الكلاب حولك؟"، هنا شعرت بأن صوته تغير وكأنه يخرج بصعوبة: "كان لي ثلاثة إخوة لكنهم قتلوا جميعا بقذيفة للمسلحين وهم يلعبون في الساحة، والآن هؤلاء هم إخوتي، لم أخترهم بل هم من اختاروني، كل ما فعلته أنني أطعمتهم، وكل ما أطعمت أحدهم انضم إليّ، ومن ترين أمامك يقدرون المعروف ولا يغدرون، وبالمناسبة هم من يحميني من الكلاب البشرية"! كنت أسير بجانبه بصمت أستمع ولا أستطيع أن أقول كلمة واحدة، وكأنما حلقي قد نشف لدرجة لم يعد بإمكاني التحدث وأنا من يُعرف عنها بأنها أم التحدث وأبوه!
وصلنا إلى المقهى نفسه، هنا توقفت وقلت له: "إنها ليلة العيد فما رأيك أن تُعيّد معي الليلة؟"، لم يقل شيئا بل ابتسم فرحا، وقبل أن نجلس إلى الطاولة سألت النادل إن كان بإمكان الطفل أن يجلس معي، لأنني في السنة التي قبلها وفي مقهى على الجهة الأخرى من البسفور، رُفض رفضا باتا أن يجلس طفل مشرد معي، وتوصلنا إلى أن يدخل ويختار الذي يريده ومن ثم يضعه في كيس ليأكله بعيدا، طبعا طلبت حينها الطعام نفسه وذهبت مع الطفل وتشاركنا الطعام على الرصيف، نعم كان منظري غريبا بالنسبة للمارة، ولكن لم يهمني أحد، ودائما ما أقول في نفسي: "من يعرف أبي ليذهب ويشتكي"! ولكن كم كانت دهشتي وسعادتي حين أسرع النادل ووضع كرسيا إضافيا على طاولتي وجلس الطفل عليه وبدأنا العيد سويا.
الذي لاحظته في هذه المرة أن الإنسانية لم تكن عند النادل فقط، بل عند الكثير ممن كانوا يعملون في مطاعم ومقاهي ذاك الشارع! طوال فترة تواجدنا كانوا يأتون إليه إما يصافحون أو يربتون على كتفه وهو يبتسم لهم سعيدا، وهنا سألته: "كأنني أجد أنك محبوب هنا"؟ سارع بالإجابة قائلا: "لأنني أعمل هنا، أحيانا أبيع المحارم الورقية، وأحيانا أساعدهم في التنظيف كلما احتاجوني، ولا يتركونني بل يعطونني طعاما أو القليل من المال، والحمد لله على نعمته"، ثم أضاف: "في بادئ الأمر اضطررت إلى أن أستعمل ساعدي، ولكن حين يرى الآخرون أنك لست لقمة سائغة يحترمونك، وحين يرون أنك تساعد وصاحب نخوة يحبونك، ولكن فقط في هذا الشارع، في الشوارع الأخرى يعاملونني وغيري من الأطفال المشردين كالكلاب"! وهنا لكي أعيد الحديث ثانية إلى مساره الأول: "ولكن الكلاب تحبك وهي لا تفارقك"، هنا ابتسم ثانية وسألني: "هل أنت راضية عن نفسك؟"، سؤال مفاجئ حقا! هنا تسارعت الأفكار إلى رأسي وسألت نفسي: "من أجالس طفلا أم حكيما"! سارعني بآخر: "سؤال صعب؟ طيب من أغلى شخص في حياتك؟" نظرت إليه في حيرة! "أمي.. زوجي.. أولادي.. أهلي"، وكنت سأستمر ولكنه أوقفني بإشارة من يده وقال: "صدقيني لا يوجد أغلى من الأخ، قد نتعارك وقد نختلف ولكنه يظل سندا لا يتخلى عنك"، سألت: "أين أهلك؛ أمك وأبوك؟"، "قتلوا بقذيفة لجبهة النصرة سقطت على منزلنا! قبل أن يقتل أبي وبعد موت إخوتي باع السيارة التي يعمل عليها، ولو تعلمين كم كانت غالية عليه، وكم كان يعتني بها، ولكنه تخلى عنها ليهربني إلى هنا مع عمي الذي رماني وهرب، تزوج بتركية ونزح إلى ألمانيا، لم يترك لي حتى مالاً أشتري به ملابس العيد، انظري إليّ العيد غدا وليس لدي ملابس العيد"!
هنا قبل أن أتفوه بكلمة وجدته يحاول أن يختبئ من شخص ما، "هذا منهم إن أمسك بي أرسلني إلى المخيم"، تعجبت: "أوليس المخيم أفضل لك من العيش في الشوارع"؟! نظر إليّ بخوف وقال: "أفضل أن أعيش في الشوارع على أن أعيش في المخيم، يضعوننا في خيام نتعرض للبرد والمطر، وإن أشعلنا النار للتدفئة ندفع غرامة 50 ليرة، وإن طلبنا غرفا أسمنتية تكلفتها ما بين 300 و600 ليرة تركية، بربك من أين لنا المال؟"، "ماذا عن الإعانات التي ترسلها الدول للمخيمات، ألا تصلكم"؟ أجاب: "بلى تصل، كل صندوق يحتوي على ربع قارورة زيت وقليل من الأرز والمعكرونة والبرغل! أقف في الدور لساعات حتى إنني أحيانا أرهق وأتركه، ليس لي، بل كي أساعد بعض النسوة اللائي لديهن الكثير من الأطفال، وأما طابور الحمام فأنت وحظك والانتظار لا يطاق فأستخدم الزواريب، هذا عدا على أن البعض منا يختفي ولا يظهر ثانية! والأمراض وفوقها التعرض للتحرش، لهذا كل مرة أهرب وأعود إلى هنا، فالشوارع أرحم من ذاك الجحيم"! "ولكن كيف تصلكم الإعانات ناقصة؟! هل تأكدت؟ هل فُتحت أمامكم؟"، أجابني: "نعم، ولكنها تُسرق قبل أن تصلنا! لنغير الحديث فإنه يضايقني، لنعد للعيد ونُعيّد، الليلة معك وإن شاء الله العيد القادم في قريتي في حلب"، "تريد حقا أن تعود"؟ "نعم، وسأتعلم وسأعيد بناء منزلنا"، صمت قليلا ثم أضاف وكأنه يحدث نفسه أو كأنه يقطع عهدا على نفسه: "سأعود لأساعد غيري أن يعيش".
أكملنا ليلة العيد سويا، تحدثنا وأخبرني المزيد الذي ربما أكتب عنه يوما ما، ثم افترقنا على أن نلتقي... لكنّ أحداثا أخرى حرمتنا من اللقاء ثانية!
ليلة عيد ستبقى محفورة في ذاكرتي وفي قلبي، ليلة جالست فيها حكيما وإنسانا، على صغر سنه جعلني أشعر بأنني أنا التي كنت صغيرة وهو الكبير... بل كنت نقطة في بحره، فبالرغم من الألم والجوع والخوف ما زالت في قلبه الصغير محبة، وما زال في روحه النقية أمل!