وسط دهشة أول درس للتربية الفنية في الصف الأول الابتدائي قدمتُ لمعلمتي كراسة الرسم وبها "سكتش" سريع أظهر فيه مهارتي في رسم بورتريه لإحدى الشخصيات الكرتونية المتخيلة والتي تعلمتها على يد أحد أصدقاء والدي. نظرت لي معلمة المادة من إحدى الجنسيات العربية شزرا، ثم قالت: "ممنوع رسم الأرواح.. حرام". مزقت الورقة لنصفين ونهرتني لأعود لمقعدي مردفة خطواتي المترددة بقولها: "ارسمي وردة، خيمة، سيارة، سفينة أي شيء لا روح فيه"، وعدت لكراسي وأنا التي لا تعرف إلا الجبال والصحراء لأرسم عليها سفينة جوارها وردة صغيرة! كان ذلك الموقف آخر تجربة معلنة لي للرسم بالمجمل، ولكنه ترك انطباعا عميقا لدي ولدى كثير من أبناء جيلي ممن مر بهم موقف مشابه في تحريم رسم الأرواح عن إشكالية الفنون لدينا، والتي تظهر في الرسم كأبسط صورة يمكننا ممارستها ضمن الفنون المتنوعة.

لم يمض على هذا الموقف الكثير حتى سمعت صوتا تستمع له والدتي أيضا تسلل لها عبر مذياعها الذي كان يبث الفرح ومن خلال بعض الكاسيتات التي تكدست فجأة في حياتنا تحرم التصوير، وتحرم الموسيقى، ومشاهدة التلفاز. فأسعرت بعض الجارات المتطوعات لتطهير المنازل من "الحرام" موقدا شاهدنا ونحن صغار صور عائلاتنا تتوالى فيها وتلتهمها ألسنة اللهب باستخفاف لا يليق بما تحمله تلك الصور من حياة وذكرى. ثم اختفى صوت أم كلثوم ووديع الصافي وفؤاد غازي وغيرهم من سهرات العائلة، واختفت من بعض المنازل أجهزة التلفاز أو أصبحت في بعضها الآخر ديكورا لا يسمح بالاستفادة منه!

تحريم الغناء والتصوير أدى للنظر لمن كان يرسم، أو يصور، أو يظهر في التلفاز من الممثلين والممثلات أو المطربين والمطربات بأنهم يسهمون في "الحرام"، وأنهم -كما نسمع عبر وسائط مختلفة في المدرسة والمنزل- أهل فجور وضلال لأنهم يستهينون بما حرموه، ولأنهم سبب في إفساد المجتمع. كبرنا قليلا وكنا نرسم "ذوات الأرواح" ونعمد لتشويهها أو وضع خط على رقبتها لا أفهم معناه حتى الآن. وخلت كتبنا الدراسية من الملامح والألوان، حتى الدمى التي تلهو بها الصغيرات صارت مسوخا مشوهة، وصار تكريس كراهية تلك الفنون ومن يؤديها مادة مهمة في كل موعظة ودرس. بلغ الأمر ذروته في مراهقتنا مع بدء ظاهرة "طاش ما طاش"، وتقوم أغلب مواد هذا المسلسل على نقد بعض الممارسات في المجتمع، فصارت محرمة مشاهدته، وقد كُفر بعض الممثلين فيه وبعض كتاب حلقاته، وانساق خلف هذا التحريم والتكفير جموع من الشباب، سمعنا أن بعضهم كان يغلق التلفاز على أهله أثناء مشاهدتهم له أو يعتزلهم في أضعف الأحوال. هذا الهجوم المضاعف على هذا المسلسل وما شابهه في السنوات اللاحقة لم يكن لأجل الفن وحده بل لأجل من يهز القناعات التي قولب بها المجتمع، ولأجل الأقنعة التي تحاول بعض الحلقات أن تنزعها عن وجه الزيف ولو بالنكات والسخرية.

مواد الفنون من تمثيل ورسم وتصوير وغناء نالها عبر سنوات طويلة الاستخفاف والتحقير، واستهانة القائمين عليها والمهتمين بها ونبذهم ومحاربتهم علانية. كانت إحدى المعلمات تقول لنا إن كلمة "فنان" تعني "حمار" –أعزكم الله-، وكنا نصدق لجهلنا ونحمل في وعينا استخفافا بهذا المسمى ومن يحمله. فتاوى التحريم لكل تلك الفنون كانت المدخل لما تبعها من احتقار وامتهان وما لحقها من تشويه بشع لها عبر السنوات الماضية؛ فالصور أحرقت ومزقت، وأصبح الرسم والتصوير هواية يمارسها أصحابها بالخفاء أو يخرجها كما يشاء "المفتون"، والتلفاز أصبح باهتا لا تعرض في قنواته الرسمية مواد فنية من مسلسلات أو مسرحيات أو حفلات غنائية ذات شأن فضلا عن عدم وجودها في الواقع إلا ببعض الأعمال الخجولة والهزيلة التي أفقدت التمثيل معناه وأفرغت المسرح من قيمته الحقيقية التي يقدمها للمجتمع، خاصة وقد أصبح مجالا لعرض أعمال –أو حركات بالأصح- رديئة تستخف بالذائقة وتقوم على التهريج والإسفاف. واستبدلت الموسيقى والغناء بشكل مشوه لما يسمى الآن "بالشيلات" التي تعد بصورتها الحالية نوعا من التلوث السمعي وصورة متردية من انحطاط الذائقة لدى فئة الشباب المهتمين بها. باختصار أصبحت الحياة رمادية.

في السنوات الخمسة الأخيرة ومع الثورة المعلوماتية وانتشار وسائل التواصل والتطبيقات التي تسهل عمليات التصوير والرسم، ومع التعديلات التي طرأت على بعض المناهج الخاصة بالرسم، والاهتمام الخجول من المؤسسات التعليمية بالموهوبين في التصوير والرسم والتمثيل، عادت بعض "الروح" للفنون وانتعشت الأنفس التواقة لها، وأقبل الشباب والشابات من أبناء هذا الجيل عليها، وأصبح لديهم ذائقة يعول عليها في تمييز الجيد من الرديء، واكتسبوا وعيا يخرجهم من ظلمات ألقت فيها "غفوة" ماضية تلك المواد الفنية التي تبعث على الحياة.

هذه الصورة المشرقة ظهرت واضحة هذا الصيف في مدينة أبها وعبر شارع يمتد لمسافة قصيرة سُمي "شارع الفن"، جاء كفكرة جريئة وذكية من شاب طموح مولع بالفن والجمال، تعاونت معه الجهات القائمة على الفعاليات السياحية في المنطقة في صيف هذا العام وأصبح مزارا لزوار وسكان المدينة. ما حدث ولا زال يحدث في ذلك الشارع أمر غير مسبوق على أصعدة عديدة؛ فعلى جنباته تقوم لوحات تشكيلية وصور ضوئية ولوحات للخط العربي ساهم فيها عدد كبير من المحترفين في تلك الفنون ومن الهواة والمجربين العابرين، تصدح بين فينة وأخرى أغنيات تتغنى بالمدينة وجمال طبيعتها لفنانين عمالقة كانوا لوقت قريب يقفون على المسرح المجاور لذلك الشارع يملؤون المدينة فرحا. وجموع كبيرة من الأطفال والكبار، النساء والرجال يتجولون على ناصيتيه بسلام واستمتاع بالتغذية البصرية المذهلة والجديدة على وعي المجتمع بتلك الصورة. بمثل هذا الجهد يستعيد الفن عافيته ويصبح الحديث عنه ولو بإضافته لشارع أمرا مستساغا ومرحبا به خاصة عند الفئات الممانعة، وتبقى المهمة مرجوة من بقية القطاعات الحكومية أن تعنى بالفن كأسلوب حياة يعيد للمجتمع "الروح" بعدما نزعت منه قسرا.