لبني يعرب في تاريخهم الحديث المعاصر ثلاثة أيام مريرة أعادتهم إلى سيرتهم الجاهلية الأولى في أيام البسوس وحروب الفجار ويوم (رحرحان). في الثاني من آب تقمص صدام شخص كليب يوم حشد نصف مليون جندي وأشعل فتنة نعيش اليوم جمرها حين غير ذلك اليوم وجه المنطقة وإلى الأبد. في الحادي عشر من سبتمبر حوّل بضعة مراهقين ثلاث طائرات مدنية إلى صواريخ لم تضرب نيويورك، بل ضربت خارطة الإسلام وخاصرته في مقتل. في الحادي والعشرين من ديسمبر أشعل البوعزيزي التونسي النار في نفسه، فسرت هذه النار هشيما في عواصم العرب ومدنهم، فلم تنشر تلك الحادثة مجرد الفوضى وخراب الخريف العربي، بل أحالت بضع دول وشعوب إلى مستنقع الحروب الأهلية الطاحنة. ولو كنا يومها سندرك العواقب لمنحنا هذا (البوعزيزي) منصب وزير من قبل أن يحرق نفسه ثم يحرقنا معه فيما بعد لأنه كان يبحث عن وظيفة.
ماذا تقول حقائق التاريخ لمن أراد أن يقرأ ثم يستوعب؟ تقول صيرورة التاريخ وحتميته إن الشعوب لا تتعافى ثم تعود إلى المربع الأول بعد أن تفرغ من حروبها البينية الأهلية الطاحنة. كل الحروب الأهلية تنتهي بالتقسيم وبتجزئة الخرائط، وكل الحروب الأهلية تنتهي بولادة دويلات جديدة ضعيفة وهشة وبحدود خوف بشعة ومقفلة. لا ينتظر العراق اليوم سوى البلاغ الأول كي تكون المسافة من بغداد إلى البصرة دولة صفوية مستقلة. سيأخذ الأكراد حقهم التاريخي في مساحة الشمال، وسيبقى للسنة تلك المساحة القاحلة الجافة في غرب الخريطة وبادية السماوة. ستجاورهم في سورية دولة بادية الشام وستستقل المسافة من دمشق إلى حلب في يد طغمة الحرس القديم، وستبقى فيها ذات أسماء الشوارع التي نصبت لوحاتها منذ أيام حافظ الأسد وحتى اللحظة. ستكون (سرت) الليبية منفذ الحدود ما بين دولتين جديدتين على غرار (فولتا) العليا والسفلى، ولكن في ليبيا سيكون (الشرق والغرب) إن لم يذهبا إلى أسماء القبائل من القذاذفة حتى (العبايدة) تماما مثلما كانت بكر وتغلب. لا ينتظر اليمن سوى كتيبة عسكرية تقف في شمال مدينة تعز للإعلان عن عاصمتين، ولكن في هذه المرة ستذهب تعز نحو دولة الجنوب ربما تأكيدا لنظرية أن التاريخ لا يكرر نفسه بالمسطرة، أو ربما كي تبقى مسمارا ووقودا لحرب أهلية جديدة. متى سيحصل هذا السيناريو المخيف؟ والجواب أيضا من حتمية التاريخ لأن الشعوب مع الزمن تمل وتتململ من استنزاف الحروب الأهلية، ولكنها بعدها لا تعود لمربعها الأول القديم. استغرقت حرب البسوس أربعين سنة، لكن طبيعة حروب اليوم وأسلحتها ستختزلان المسافة حتى إلى أقل من نصف المدة. لاحظوا، أخيرا، أن أميركا وروسيا على هذا الخط المشبوه الساخن. لاحظوا أن كيري ولافروف يتبادلان تصاريح الاتهام، لكنهما -وعلى النقيض ومن تحت الطاولة- يلتقيان شهريا وفي عادة سرية معلنة ومنذ ثلاث سنين في مشهد تكراري لم نعهده من قبل في تاريخ العلاقات الأميركية الروسية. السعيد من اتعظ بغيره.