من لم يقرأ الأدب الروسي فقد الشيء

الكثير، وفاته كثير من المعرفة وعمق الفكر.

وكل هذا يظهر لنا ممثلا في الروائيين الروس

وكتابهم الذين أثروا مرحلتهم وما جاء

بعدها بفكرهم ونزعتهم إلى الغوص في حياة

الإنسان وثورته وقلقه الوجودي والسياسي.

ولا شك أن الكاتب الروسي تولستوي كان

على رأس هذه القائمة التاريخية للفكر

الإنساني.

ليو تولستوي لم يكن روائيا وحسب، بل

كان مصلحاً اجتماعيا وداعية سلام ومفكرا

أخلاقيا من أعمدة الأدب الروسي في القرن

التاسع عشر، بل إنه يعد من أعظم الروائيين

على الإطلاق.

كان تولستوي مؤثرا في عصره وما بعده،

وكان مؤرقا بسؤاله الدائم "ما الهدف من

حياة الإنسان"؟ وكان مهتماً بمعرفة ما إذا

كان الأنبياء بالفعل يدعون لأن يواجه العنف

بالعنف أم أن يواجه العنف بالسلم؟ هذا

الهاجس الفلسفي الديني كان وراء ظهور

كتاب "ملَكوتُ اللهِ دَاخِلَكُمْ"، وهذا الكتاب

ليس فلسفياً بحتا بل سياسي بقدر كبير،

حيث قام على فكرة أن اللاعنف هي طريق

السلام، وبعكس ما أحدثه كتاب "الأمير"

صاحب نظرية الغاية تبرر الوسيلة لميكافيلي

كان لهذا الكتاب دور مؤثر في سياسة

السلام.

إن ما لا يعرفه البعض هو أن هذا المبدأ

الذي انتهجه تولستوي في كتابه "ملكوت الله

داخلَكم" هو الأساس المؤثر والمحرك لثورة

نبذ العنف، والتي تبناها المهاتما غاندي

أمام الاحتلال البريطاني للهند، وتبعه بعد

ذلك المناضل مارتن لوثر كينج فيما عرف

بحركته اللوثرية ضد العنصرية، حيث

اعتنقا -غاندي ولوثر- أفكاره كفيلسوف

أخلاقي من منطلق مقاومة الشر بالخير.

صدر كتاب "ملكوت الله داخلكم" عام

1894 ، وترجم عن الروسية للعربية، ومن

أفضل ترجماته ترجمة المبدع هفال يوسف،

وهو الأفضل على مستوى الترجمات الأخرى.

استلهم غاندي تلك القيم الإنسانية

والسياسية التي كتبها تولستوي لتكون

معيناً له في مقاومته السلمية لاحتلال الهند،

مما جعله ينادي بالمقاطعة السياسية

والاقتصادية بشراء مزرعة جمع بها كل

الهنود في كيب تاون، مؤكدًا على دعوته

الجدية بإطلاق اسم (تولستوي) على تلك

المزرعة، كما أنه كانت هناك مراسلات

لغاندي مع تولستوي مبشرًا له بتوكيد ما

دعا إليه عملياً بما تبناه من تلك المبادئ في

كتابه.

اعتنق تولستوي - باعتباره فيلسوفاً

أخلاقيا له قِيمه الكبرى - كل أفكار المقاومة

السلمية التي تنبذ العنف والقتل، وقاوم

الكنيسة الأرثوذكسية في روسيا، ودعا إلى

السلام وعدم الاستغلال، وعارض القوة

والعنف في شتى صورهما. وهو ما أظهره في

كتابه هذا، والذي كان مؤثرا في عصره وما

زال مرجعا سياسيا حقوقياً وإنسانياً يمثل

أعظم وأدق المبادئ التي من الضروري أن

يعمل بها الإنسانيون والسلميون، وأولئك

الذين يبحثون عن السلام وعن روح الله

تتجلى في الخير ذاته، وفي روح الإنسان

الخيرة، وفي الجانب المضيء للفكر البشري.