لا أعرف إذا كان أحد تناول شخصية عائشة -رضي الله عنها- من خلال رؤيتها لفقه المرأة أو لا، لأنه مبحث لا شك أنه غني جدا بالمواقف العظيمة لامرأة تركت في الإسلام وفقهه ما لم يتركه أحد.
أحد تلك المواقف ردها على ابن عمر -رضي الله عنه- في فتواه في مسألة فض المرأة لشعرها عند الاغتسال من الجنابة، وكانت المرأة العربية ذات الشعر الطويل تصنع منه ضفائر يصعب فضها للاغتسال، لكن ابن عمر أفتى بأنه يجب عليهن ذلك، فما كان من عائشة إلا أن قالت: يا عجبا لابن عمر، يأمر النساء إذا اغتسلن أن ينقضن رؤوسهن، أفلا يأمرهن أن يحلقن رؤوسهن.
في حادثة أخرى عن عائشة أنه ذكر عندها ما يقطع الصلاة فقالوا يقطعها الكلب والحمار والمرأة، قالت قد جعلتمونا كلابا، لقد رأيت النبي -عليه الصلاة والسلام- يصلي وإني لبينه وبين القبلة وأنا مضطجعة على السرير فتكون لي الحاجة فأكره أن أستقبله فأنسل انسلالا. متفق عليه.
مما سبق نجد أن عائشة -رضي الله عنها- كانت تمثل مدرسة فقه (بفتح الميم)، مقاومة لأي حركة تعتبرها احتقارا أو تشددا في أحكام الفقه التي تتناول المرأة، لكن عائشة -رضي الله عنها- رحلت ولم تحل مكانها امرأة فقيهة بمكانة وقدرة عائشة، رضي الله عنها.
في الواقع أن ميل بعض المذاهب للتشدد مع المرأة واستعمال سد الذرائع بدأ من الخوف من فتنتها، فآخر حديثه صلى الله عليه وسلم كان "فاتقوا الدنيا واتقوا النساء، فإن أول فتنة بني إسرائيل كانت في النساء" رواه مسلم.
في الواقع الحديث لم يذكر الروم الذين كان جسد المرأة مشاعا يصنعون من صورتها تماثيل ويقدمونها كآلهة، ويمتلئ تاريخهم بالملكات، ولم يذكر الفرس الذين جعلوا منها ملكة وخازنة، ولكنه ذكر بني إسرائيل.
وبنو إسرائيل كما تعلمون يحتقرون المرأة ويعتبرونها نجسة لمجرد وجود العارض الشهري، فيخرجونها من البيت، بل في 2015 وفي دولة كبريطانيا قامت مدرسة يهودية بإرسال إنذار بالفصل للطلاب الذين تقود أمهاتهم السيارات، لأنه لا يجوز للمرأة قيادة شيء، ولقد نددت وزيرة الداخلية آنذاك بذلك، لكن القائمين على المدرسة رفضوا الانصياع واعتبروا غضبها تدخلا في ثقافتهم وخصوصيتهم.
أيضا ما أدخل هذا التشدد لفقه المرأة والذي وصل إلى تعريضها للأذى لمجرد تطبيق الحكم الشرعي في تجاهل صريح لأهمية روحها عند الله -عز وجل- مثل الرجل تماما هو هذا الصمت من قبل الفقيهات اليوم، فعلى قلة أعدادهن لا نجد جهدا فقهيا في مسائل المرأة إلا في أمور لا تخدم المرأة وحقوقها في العصر الحديث، بل مجرد انخراط في الدفاع عن نظرة الرجل والتسويق لما يقدمه مثل الادعاء أن المرأة الفرنسية تفضل الرجل العربي على الرجل الفرنسي، والذي تناقلته عدة داعيات وفقيهات، ليكتشف الجميع أن المرجع الذي استقين منه خبرهن لا أصل له.
إن المرأة المسلمة بحاجة إلى صوت حقيقي كصوت عائشة -رضي الله عنها- يرفض أي سلوك ينتقص من النساء منجبات الرجال ومؤدباتهن، ويفرض فقها واقعيا معاصرا يستمد من قوله تعالى {ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف}.