العلاقة بين الثقافات في طبيعتها تأخذ منحى الاختلاف والمغايرة، فكل مجتمع له ثقافته التي اختلفت كثيرا أو قليلا عن ثقافات الآخرين، بل ربما يصل الحال إلى التناقض الكلي بين ثقافتين، الأمر الذي ربما قاد إلى صراع إثني أو حضاري بين الثقافتين، متى ما رأت إحدى الثقافتين أنها الأفضل والأهم في تصورها من الثقافات الأخرى، ولذلك تحاول الهيمنة على مختلف جوانب الحياة.

في العصر الحاضر كانت الحداثة الغربية، ولا تزال، هي الثقافة المهيمنة على كافة الجوانب الثقافية والاقتصادية والسياسية والعسكرية، كذلك في العالم أجمع، ولذلك تشعر الثقافات الأدنى بأنها أمام "بلدوزر ثقافي" كما يصفها المفكر المغربي محمد سبيلا، واقتحامها حياة الثقافات الأخرى فرض على كافة الثقافات الأخرى السير على منوالها أو الاقتراب منها في كثير من الأحيان، لكن جاءت ما بعد الحداثة لتنتقد هيمنة الحداثة على مجريات الحياة ولتضع اعتبارية للثقافات المغايرة، وبالطبع فإن ثقافتنا العربية، ومنها السعودية بالتأكيد، واحدة من تلك الثقافات المغايرة التي ربما هي أقرب إلى الحالة السحرية الشرقية، كما في قصص ألف ليلة وليلة في ذهنية الثقافات التي انخرطت بالحداثة على اعتبار أن أحد تعريفات الحداثة هو نزع السحر عن العالم، وما دام أن سحرية الشرق ما زالت على حالها في تصور الحداثة الغربية فيعني ذلك أن العالم العربي، والسعودي تحديدا، ما زال مجتمعا لم ينخرط بطريقة العيش وفق الرؤية الحداثية، أي أنه مجتمع ما قبل حداثي حتى الآن.

وبحكم تماس هذا المجتمع مع المجتمعات الحداثية الغربية في جوانب كثيرة، فإن حالة المغايرة لدى الثقافة السعودية أمام الحداثة الغربية تظهر بشكل واضح وجلي في السلوكيات العامة واليومية، خلاف أي مجتمعات أخرى بحكم أن المجتمع السعودي -ربما- كان من أكثر تلك المجتمعات حفاظا على هويته الثقافية بحكم هيمنة القوى المحافظة على المجتمع، وهذا ما يسبب نوعا من القلق الثقافي لدى كثير من السعوديين على هويتهم أثناء تماسهم مع الهويات التي شكلتها الحداثة.

الخوف على الهوية من الاندثار أمر طبيعي، ومن حق أي مجتمع أن يحافظ على هويته، لكن من طبيعة الاحتكاك بالثقافات الأخرى أن يفرض على الهوية الأم نوعا من التجديد داخلها، وهذا التجديد يقودها إلى مناطق جديدة عليها تفترض التعامل معها بنوع من التقبل أكثر من الصدام، لكن بقاء تلك الهوية على حالها، فإنها من الطبيعي أن تجعل الثقافة في حالة تساؤل ذهني وحضاري عن ذاتها، إضافة إلى أن بقاءها على حالها القديمة يجعل المؤمنين بها في حرج دائم إلا إذا تم الاعتراف بأنها ثقافة قديمة والتعامل معها على ذلك أو التخلي عنها إلى غيرها، أو ربما تجديدها، وهذه الخيارات تضع المتعامل مع هويته أمام هويات الآخرين في حالة من التوتر والقلق، ما يجعل بعض الشباب في حالة ازدواجية تجاه ثقافتهم وتجاه الثقافة الغربية الحديثة، فانخراطهم الكلي في الثقافة الغربية يبعدهم عن هويتهم التي يريدون الحفاظ عليها بحكم انتمائهم لها وبحكم اقتناعهم "المبرمج" -إذا جاز لنا استخدام مصطلحات البليهي الفلسفية- فيلجؤون إلى عملية تحسين مستمرة، أي أنهم يضطرون إلى وضع سياق الهوية القديمة وفق المفاهيم الحداثية المقبولة حتى يتم قبولها من قبل الثقافات الأخرى، والإشكالية أنها تظهر بشكل توفيقي في مكتمل والواقع يكذب عمليات التحسين تلك، فضلا عن اختلاف المبادئ التي تقوم عليها الثقافات المختلفة.

سأعطي مثالا صغيرا للتوضيح، وهو أن زواج ابنة العم من ابن عمها في ثقافتنا أمر مقبول تماما، بل ربما يتعداه في الثقافة العربية إلى التفاخر، لكنه يشكل صدمة ثقافية عند الآخرين، وهنا يلجأ بعض الشباب إلى عملية التحسين في طرح فكرة الحب القديم مع ابنة العم، بحكم قيمة الحب العليا عند الغربيين، وهذا موقف حصل أمام ناظري في أميركا، والأمر أيضا يتكرر في الزواج المتعدد من أربع نساء، وهو في ثقافتنا مشهور ومعروف ومفخرة ذكورية، لكنه ليس كذلك عند غيرنا، لذلك يلجأ بعض الشباب إلى مفهوم العدالة، وهو مفهوم مركزي في الثقافة الغربية، وعلى ذلك يتصور البعض أنه بذلك يوازن بين المفاهيم الحديثة مع البقاء على هويته الأساسية.

ازدواجية التعامل مع الهوية بهذا الشكل تجعل كثيرا من الأفراد أمام عملية تحسين مستمرة، في حين أن الواقع يختلف تماما عن عملية التحسين تلك، وفي رأيي ألا تستطيع في ظل هذا الواقع إلا الاعتراف بتقليدية هويتك والتعامل معها بهذا الشكل، أو نقدها وتصحيح مسارها في حال كنتَ ترى خطأها، أما عملية التوفيق فهي عملية تحسين ليست في محلها بحكم انكشاف زيفها مع أي عدد من الأسئلة التي يمكن أن تحرج أكثر.

ذهنية التحسين للثقافة المغايرة لا يمكن أن تتم إلا وفق الإيمان المضمر بخطأ تلك الثقافة -إذا كان فعلا يراها خاطئة- وليس الدفاع عن الخطأ بمفاهيم حديثة، إذ يبدو أن عملية التحسين تحصل في ظل شعور بالدونية والخطأ أمام العجز عن انتقاد تلك الثقافة بحكم ارتباطها بالاجتماعي أو الديني، وهو ما يمكن أن يسبب قلقا وجدانيا على بقاء الهوية، الأمر الذي يجعلها أقرب إلى وهم الهويات، كما يقول داريوش.