إذا ما تحدثنا عن انتصار المرأة سياسياً: فَوْزها بمنصب، أو تسنّمها لمؤسسة، فنحن نتحدث، بالضرورة، عن "الجندر" أي عنها بوصفها نوعاً إنسانياً، وليس بنسيان صفتها النوعية كما هو الحال عند الحديث عن الرجل الذي لا نتحدث عنه باستحضار ذكورته في مقابل الأنثى، فكأنه امتلك الكل الإنساني في نوعه.
وهذه مسألة لا تخص بعضنا أو كثيراً منا نحن العرب، بل تتعدانا إلى العالم كله، بما في ذلك العالم المتقدم الذي مضى على المرأة سنوات طويلة في اكتساب حقوقها الإنسانية والمدنية إلى جانب الرجل.
ويبدو أن بروز نساء، في دفة السلطة السياسية لبعض أكبر الدول الغربية، أو تسنّمهن مناصب قيادية في مؤسسات كبرى محلية وإقليمية ودولية، قد أخذ في التصاعد مبشِّراً (أو منذراً) بأن يكون العام القادم 2017 عام النساء.
فالمستشارة الألمانية أنجيلا ميركل مازالت مستمرة في منصبها، حين تسلمت تريزا ماي في 13 يوليو الماضي، خلفاً لديفيد كاميرون، منصب رئاسة الوزراء في المملكة المتحدة. وها هي هيلاري كلينتون تسعى حثيثاً إلى البيت الأبيض، لتوشك أن تضع أول بصمة للمرأة في منصب رئاسة أكثر الدول قوة وتأثيراً في العالم.
وتزداد حفلة النساء عدداً إذا ما حالفهن الحظ، فتولت منصب أمين عام الأمم المتحدة بعد بان كي مون، إحدى النساء الأربع من أصل ثمانية مرشحين، أبرزهن اثنتان: هيلين كلارك رئيسة حكومة نيوزيلاندا السابقة، والبلغارية إيرينا بوكوفا مديرة اليونسكو. وسبق أن ذهب منصب مدير عام صندوق النقد الدولي منذ 2011 إلى الفرنسية كريستين لاجارد... والأفق مفتوح ربما لأسماء أخرى لم ترد في الحسبان.
والسؤال المطروح في هذا الصدد، هو سؤال عما ينجم عن تولي المرأة سلطة القرار: هل سيكون صعود المرأة وانتصارها، صعوداً للأمل والسلام والعدالة والإنصاف، وانتصاراً للمحبة والجمال والمروءة الإنسانية؟! أم انحداراً لها وهزيمة للأخلاق والمعاني بأعم دلالاتها وأخصها؟!
سأكرر الحديث هنا، فأقول: إن السؤال السابق في سياقه الموجَّه للمرأة هو سؤال "جندري" أي يسائلها لأنها "امرأة"، ولذلك لا يمكن أن نوجهه بدلالة "جندرية" إلى الرجل. وهذه العلة "الجندرية" هي التي تجعل السؤال موجَّهاً إلى المرأة في دلالة ضمنية تستشرف المقارنة بما يصنعه الرجل، وتشفُّ بالأحرى عن قلق مما ستفعله المرأة. وليس شيء من هذه المقارنة أو المساءلة وارداً في حق الرجل لأنه هو في الأصل من يسأل ويصنع الثقافة، والمرأة حدث مستجد على السياق.
هناك وجهة تأويلية في كل الثقافات الإنسانية توظف الدين والمرويات التاريخية والخيالية لشيطنة المرأة وتحقيرها وتمييز الرجل ضدها، فلا يغدو جريان "السلطة" في المجتمعات بريئاً من ذلك. ولكن هذه الوجهة التأويلية تتعرض للنقض والدحض والتفكيك بمنطق تأويلي مضاد أكثر عدلاً تجاه المرأة، وإنصافاً لها، واقتصاصاً من ظلم الرجل وثقافته المشوهة لجنسها.
القرآن الكريم في حكايته للملكة بلقيس، ملكة سبأ، حفيٌّ بالدلالة –تخصيصاً- على حكمتها ورجاحة عقلها كأنثى، وذلك حين حادت عن استخدام القوة التي أشار عليها بها قومها "قالوا نحن أولو قوة وأولو بأس شديد.." (سورة النمل: 33)، فحفظت لمملكتها السلم، ولم تجازف بقومها في حرب لا ضرورة لها.
دلالة القرآن الكريم على حكمة بلقيس ليست تمييزاً للمرأة ضد الرجل، بل تمييز للعقل والإنسانية ضد أن يحتكرهما الرجل، أو تحتكرهما المرأة...
استبداد الرجل بالمعنى الإنساني والثقافي والعقلاني، وتجريد المرأة منه، هذه هي مظلمة المرأة تجاه الرجل. لكنها – برؤية أعم- ليست مظلمة المرأة وحدها، بل هي مظلمة الرجل أيضاً الذي يجتمع مع المرأة في الصفة الإنسانية. إنها –هكذا- مظلمة الإنسانية أمام الرجل.
ولذلك أصبحت ورقة "الجندر" – حديثاً - سلاحاً تنتصر به المرأة، وليس جرحاً تئن منه. وهو ما صنعت به هيلاري كلينتون قوتها أمام المرشح الجمهوري "الرجل" دونالد ترامب، الذي سخر منها لأنها تلعب في سباق الانتخابات بكارت "إنها امرأة". وسرعان ما تحوّل هذا الاتهام في فخر هيلاري به، وفي حديث الديموقراطيين عن عالم المحبة والأسرة الذي ستشيده وتشد أزره، إلى امتياز تاريخي وأخلاقي كبير لها.
هذا الاتهام الذي ساقه ترامب في حق غريمته هيلاري، إذ ينذر بأن هزيمته، إن حدثت، هي في أوضح أسبابها "نسوية"، يثير السؤال عما في جعبة هيلاري، إذا انتصرت، مما يجاوز المرأة إلى خدمة الرجل ونفعه.
وللإجابة على ذلك سأستعين بمقال المؤلف الأميركي والصحفي وكاتب الرأي التعليقي Op-ed، نيكولاس كريستوف، المنشور بصحيفة نيويورك تايمز، الأسبوع قبل الماضي، 30 يوليو، تحت عنوان: "عندما تنتصر النساء ينتصر الرجال أيضاً". وهو مقال يندرج ضمن وجهة "نسوية" بحيث لا يغدو انتصاره لهيلاري كلينتون انتصاراً لشخصها أو لحزبها، بقدر ما هو انتصار لها بوصفها "امرأة".
في مقدمة المقال يتساءل عن تفكير الرجال عندما تصبح "امرأة" المرشحة الرئاسية لحزب سياسي رئيسي: هل يصفِّقون لسقوط حاجز آخر من أجل أن يكون عالمنا أكثر عدلاً وإنصافاً؟ أم ينبغي أن نغتاظ من انتصار النساء؟
وهو في مناقشة ذلك يشف عن القلق المستبطن حتى لدى الديموقراطيين من فوز المرأة، ولكنه يقف موقف المطامنة لهذا القلق، قائلاً: "أيا كان الأمر، فإن ترشيحها علامة فارقة، ودرس من دروس التاريخ بأن النساء عندما يتقدمن تتقدم الإنسانية".
ويذهب إلى استخلاص شهادات على التقدم الذي يؤدي إليه حضور المرأة وفاعليتها، من أبحاث الأكاديميين وملاحظات الخبراء.
فأحد الباحثين من جامعة ستانفورد، وجد أن إعطاء النساء حق التصويت محلياً في القرن الـ19 ومطلع الـ20، أدى إلى اندفاع السياسيين إلى ما تفضله الناخبات، وكانت النتيجة تخصيص المزيد من الأموال للصحة العامة وصحة الطفل، فانخفضت وفيات الأطفال، وأُنقذت حياة عشرين ألف طفل.
ووجدت باحثة من جامعة فرجينيا، أن أقسام الشرطة التي ضمت مزيداً من الإناث في صفوف الضباط، جعلت نساء المنطقة أكثر إقبالاً على التبليغ عن العنف المنزلي الذي يقترفه غالباً الرجال ضد زوجاتهم، وذلك حال دون تزايد العنف، وأنقذ الرجال أيضاً.
أما ما يقوله أحد الخبراء الاقتصاديين، فهو شهادة بأن النساء يحسن صناعة القرار، لأنهن يكبحن جماح الذكور إلى الثقة المفرطة والمخاطرة، والبرهان على ذلك مقارنة خسائرهم في الأسهم بالنساء.
ونتيجة ذلك أن يخلص كريستوف إلى القول: "إن النساء عندما يمتلكن السلطة، ويحصلن على مقعد على الطاولة، فإننا نحن الرجال نستفيد. لذلك دعونا نسترخ وننضم إلى الحفلة".