بعد كتاب جواد علي (المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام) أدركت لماذا هذا المؤرخ العظيم لم يستطع تسمية كتابه (المفصل في التاريخ الجاهلي للعرب)، إذ لم يكن العرب يعيشون الجاهلية، فحتى الرسول الكريم قال: "إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق"، وتبقى إشكالات القرون الماضية تتقاطع مع إشكالات بقية التاريخ الإنساني في تطوره الطبيعي، لكن القطيعة في الفهم التاريخي هي الإشكال الحقيقي في النظر للذات العربية، مما يرتد إلى دونية غير مبررة أمام الحضارات الأخرى.
هذه النظرة الشاملة على المستوى القومي للحضارة العربية قبل 1500 سنة يمكن بسطها أيضا على المستوى الوطني، فعندما نصف أبناء الجزيرة العربية قبل 100 سنة بالجهل والتخلف، فهذا تعميم ظالم وجائر، فالجزيرة العربية رغم حياتها الصعبة وحسب الوثائق التاريخية، كانت توجد فيها حواضر وحواضن طبيعية لأي تجمع مدني، لن أتحدث عن مكة المكرمة فهي (أم القرى) بل سأتحدث عن أبها تلك العاصمة الصغيرة لما سمي قبل 100 عام (متصرفية عسير) ووجود الأحياء المتحضرة فيها بدءا بالمفتاحة والقرى ونعمان والربوع وشدا ومناظر والبديع والخشع والنصب وأخيرا امقابل، حيث كان فيها مسكن متصرف عسير سليمان شفيق باشا ثم محيي الدين باشا، ويصلها بأبها جسر حديث بناه الأتراك، وأقول (جسر حديث) نقلا عن فؤاد حمزة مستشار الملك عبدالعزيز في كتابه (في بلاد عسير).
ما أشار إليه فؤاد باقتضاب عندما تجول في ربوعها، هو حزنه على ما عانته هذه الحاضرة العسيرية عندما استبيحت مرتين على يد رديف باشا في أواخر القرن التاسع عشر، ثم استباحتها مرة أخرى بعد 30 سنة قوات الإدريسي عام 1910، وكيف أن الحروب حتى في عصرنا الحديث أعادت كابل عاصمة أفغانستان من حاضرة يشارك أحد أبنائها (عبدالأحد مومند) خريج جامعة بوليتيكنيكل بكابل في رحلة فضائية مع السوفييت كنوع من توطيد العلاقات، لتتحول بعد قرابة العقدين من الحرب إلى عاصمة تكثر فيها الدواب من جمال وحمير كإحدى وسائل المواصلات في عصرنا الحالي، وهكذا هي لغة الحرب لمن يتغنى بالموت والدم.
أعود لأبها واهتمام الدولة العثمانية بها إذ أنشأت فيها إدارة معارف ومدرسة رشدية كانت تدرس الحساب واللغات والهندسة والجغرافيا، إضافة إلى طريق أبها الخميس الذي افتتحه محيي الدين باشا أيام الحرب العالمية الأولى لسير المركبات وترك المنطقة بعد ذلك عام 1918، لكن بالمقابل ترك العثمانيون ذاكرة عسيرية عن أبنائها المصلوبين والمنفيين والقتلى لمن كان يهمس بحرفين من اللام والألف في وجه الأستانة.
أحكي عن أبها كحاضرة قديمة في جنوب المملكة العربية السعودية لم تقرأ كما يجب، لأنها مدينة للمتحضرين لا للمحاربين، والقبائل أحيانا تتخلى عن مدنها كي تحتمي بحصونها في رؤوس الجبال لعلها تجد فرصة لتكر بالحرب من جديد من أجل الكرامة والعدالة، وقد كان الثمن غاليا على حساب تمدنهم ومدنهم، فكيف بباقي حواضر الجزيرة العربية وعلى رأسها أم القرى مكة المكرمة التي أخرجت أئمة أعلام ناضلوا مع رجالات الحواضر والبوادي ليصنعوا الفرق الذي نعيشه الآن تحت راية نتبعها لأنها لعبدالعزيز آل سعود، وعلى هذا بايعت كل الطوائف والقبائل ابن سعود، من إثني عشرية القطيف والأحساء إلى إسماعيلية نجران مرورا بصوفية الحجاز وشافعية أبها، ومن صيعر شرورة إلى شمر الشمال، فالعبرة بعبدالعزيز حامل الراية، ولهذا فالشعب لم ولن تغريه رايات داعش ومن قبلها القاعدة ولو ملأتها بالآيات ووضعت عليها ختم النبوة، فالبيعة في أعناق المخلصين الأوفياء من أبناء الجزيرة الأماجد مبنية على المواثيق المكتوبة القديمة التي أورثها الآباء لأبنائهم نقلا عن أجدادهم ولاء للعدل والكرامة يقوم بها السمو الملكي كحقٍ للشعب، وتضحية بالغالي والنفيس كواجب الشعب نحو قيادته الأبيَّة، وعلى هذا يرفع الناس رؤوسهم فخرا لأنهم سعوديون.