يعدّ كتاب (جنة الرضا في التسليم لما قدر الله وقضى)  من الآثار الأندلسية النفيسة، لما يقدمه من معلومات تاريخية نادرة عن مملكة غرناطة الناصرية، وهي آخر ممالك الأندلس، لأن مؤلف الكتاب كان شاهد عيان على الأحداث التي تصفها هذه المعلومات، وكانت له مشاركة فاعلة في تلك الأحداث بسبب مكانته السياسية المرموقة.



العظة والعبرة

يتناول الكتاب موضوع "المحنة والابتلاء"، وهو ما كانت تمر به الأندلس في ذلك الوقت، ويهدف مؤلفه إلى تقديم العظة والعبرة والتنبيه من الغفلة لأهل عصره، فيقول في مقدمته "أما بعد، فإن في حوادث الأيام لأولي الأفهام اعتباراً، وفي طوارق الليالي لأرباب الهمم العوالي اختباراً، وفي مجاري الأقدار للذوات الشريفة استبصاراً"، وكأنه وضعه وهو في ضيق ومعاناة ليكون الكتاب "أورد منه أنا ومن يكون في مثل حالي الوقتية روضا يجتني منه ثمراً، ويقتطف منه زهراً، ويسرح منه ناظره في حدائق ذات بهجة، وثنى منه على حسن طوية وصدق لهجة، يرشده للصبر على مضض الحوادث، والرضا بما يأتي به القضاء من الخطوب والكوارث، والتفويض لله في مواقع أقداره، والتسليم له في إيراد كل أمر وإصداره".



ست صور

وقد جعل المؤلف كتابه في ست صور هي: أن يكون الابتلاء متوقعا في المقتنيات العزيزة على النفوس، كالمال والجاه، ويكون مع ذلك واقعا في الأهوال مأمول الجبر مرجو الزوال، أو غير مأمول الجبر مرجو الزوال، أو أن يكون الابتلاء في النفوس أو ما لحق بها من أعضاء وقوى متوقعاً في الاستقبال وليس بواقع في الحال، أو واقعاً في الحال وهو مرجو الزوال، أو غير مرجو الارتفاع والزوال، وقد حقق الكتاب الدكتور صلاح جرار وقدم له بمقدمة ضافية. ومن القصص التي أوردها ابن عاصم الغرناطي:

كان بمدينة السلام رجل من أهل اليسار، فبينا هو ذات يوم في مجلسه وقد جلس يأكل مع زوجته وبين أيديهم دجاجة مشوية أو سكباجة، قد فاضت رائحتها، إذ دنا سائل من الباب وغشاه، ممن امتحن بنكبة بعد نعمة، فقال: أطعموني من فضل ما رزقكم الله، فقامت المرأة وغرفت له من القدر، وأخذت رغيفين لتناوله، فلما رأى الزوج ذلك حلف عليها ألا تدفع إليه شيئاً، ومضى السائل جائعاً حزيناً، فاستوفى الرجل شأنه وطعامه واشتغل بشأنه وقعد فوق السطح لبعض حاله، فعثر بشيء وتنكس، فوقع إلى أسفل فاندقت عنقه فمات من ساعته، وحازت المرأة ميراثه وتصرفت فيه، وضرب الدهر ضرباته، وأتى لهذا الحديث مدة، وكان السائل الذي قد دنا من باب الدار وانصرف خائباً كئيباً لما لقي من قبح الرد وما هاج به من شهوة الطعام الذي شم رائحته عاد إلى منزله من وقته ولم يملك إلا مضربة معلقة، وكان اشتراها من الحاج متسخة قذرة، وحملته شهوة الطعام على المضربة أن يبيعها، ففتشها فإذا فيها ألف دينار وسط الحشو، فأخذها الرجل وغير ببعضها حاله، وشغل بعضها في التجارة، وحسنت حاله وطلب امرأة يتزوجها، فقالت له بعض الدلالات: إن هاهنا امرأة جميلة موسرة، قد ورثت عن زوجها مالاً كثيراً، فهل لك فيها؟، قال: نعم، فخطبها والتأم الأمر بينهما، وبنى بها، وحمد كل واحد صاحبه، واتفقا أحسن الاتفاق، فبينما هما يوماً من الأيام يتحدثان، وقد وصف الرجل لها ما دفع إليه في بعض الأيام من المحنة العظيمة، إذ سألته المرأة أن يحدثها بأمر شيء جرى عليه، وأصعب ما دفع إليه، فقال الرجل: ما مر علي أصعب من وقت دفعت فيه إلى شدة شديدة، حتى اضطررت إلى السؤال، فدنوت يوما من باب دار، وشممت من الدار رائحة سكباجة طيبة، كدت أجن حرصاً عليها وشهوة لها، وقامت المرأة لتعطيني منها فمنعها الزوج، وحلف بطلاقها أنها لا تعطيني منها، فانصرفت وأنا قلق حزين، إذ كنت بعقب علة شديدة، وقد أبللت منها، وكنت اشتهي كل شيء كما يعتري الناقة، فتبسمت المرأة تعجباً، وقالت: فهذه هي الدار، وأنا هي تلك المرأة وإن زوجي صعد في ذلك اليوم الذي ردك فيه الرد القبيح، هذا السطح، فتنكس فيه، ووقع واندقت عنقه، ومات من حينه، وقد أورثك الله ماله ومسكنه وزوجته، قال: فسجد الرجل شكراً لله عز وجل، واستأنف نية جميلة في طلب مرضاة الله تعالى، وبقي طول عمره في نعمة شاملة.



نعم الزاد

 يحكى أن رجلا قال لحاتم الأصم: بلغني أنك تجوز المفاوز من غير زاد، فقال حاتم: بل أجوزها بالزاد، وإنما زادي فيها أربعة أشياء، قال ما هي؟ قال: أرى الدنيا كلها ملكاً لله، وأرى قضاء الله نافذاً في كل أرض، وأرى الخلق كلهم عبيداً لله - عز وجل - وعياله، وأرى الأسباب والأرزاق كلها بيد الله عز وجل، فقال له الرجل: نعم الزاد زادك يا حاتم، أنت تجوز مفاوز الآخرة فكيف مفاوز الدنيا.



عن المؤلف

ومؤلف الكتاب أبويحيى محمد بن عاصم الغرناطي، الأندلسي، قاضي الجماعة، ولد في أواخر القرن الثامن الهجري، وتوفي ذبيحا في أواخر سنة 857، وكان كاتبا ورئيسا للكتاب وخطيبا ووزيرا وشاعرا وناثرا وإماما ومفتيا وقاضيا للجماعة وعالما وفقيها، وكان من أكابر فقهاء غرناطة وعلمائها الأجلاء ورؤسائها.