تختلف مفاهيم الوطن عند الناس باختلاف التصور الذهني لمدلول الكلمة لديهم، فمنهم من جعلها كأيديولوجية ترتقي فوق الإنسان نفسه، ومنهم من جعلها تعبيراً عاطفياً وجدانياً غامضاً لا يدرك معناه، والبعض الآخر عرفها بشكل مادي بحت، ففي المعجم الفلسفي يقول: "الوطن بالمعنى العام منزل الإقامة، والوطن الأصلي: هو المكان الذي ولد فيه الإنسان، أو نشأ فيه".

ويعرّف بعض رجال الدين الوطن بأنه "مجموعة العلاقات والروابط والصلات التي تنشأ بين دار الإسلام وكل من يقطن هذه الدار سواء أكانوا مسلمين أم ذميين أم مستأمنين"، وقد "ورد مفهوم (الوطن) -في القرآن- في صيغة الديار والدار (والذين تبوّؤوا الدار والإيمان من قبلهم يحبون من هاجر إليهم)، (لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم). ومهما اختلفت التعريفات والمفاهيم إلا أن الاعتقاد بمحورية الإنسان وأصالة الفرد يمثل الحجر الأساس لمفهوم الوطن الحقيقي.

فالوطن ليس سوى تجمع اعتباري للأفراد، والأفراد بما هم أفراد في المجتمع لهم رغبات وحقوق فطرية لابد من أخذها بنظر الاعتبار، ووظيفة الدولة حماية حقوق الأفراد وحرياتهم ورفع الموانع التي تعترض هذه الحقوق والحريات في الوسط الاجتماعي.

يقول الله عزّ وجل في كتابه الكريم: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ} الحجرات13، البعض يرى أن معنى قوله تعالى "لِتَعَارَفُوا" في الآية؛ يتمثل في معرفة الأصيل من الوضيع، ومعرفة الأنساب الشريفة، والبعض الآخر يرى معنى التعارف يتمثل في معرفة الأقارب والأرحام فقط، مع التأكيد على مشروعية التفاخر بالأنساب وأهمية القبيلة، مستندين بذلك على تأويل نصوص دينية بما يوافق أهواء كل فئة.

لا شك أن القبيلة حق طبيعي وبشري للجميع، وشكل طبيعي للتعايش أوجده الله للناس لتنظيم حياتهم، فالقبيلة في الماضي كانت تقوم مقام الدولة، فالفرد يجد فيها الأمن والضمان والرعاية، ومن لا ينتمي إلى قبيلة قوية قد ينتهي أمره إلى الهلاك، مهما كان هذا الفرد قوياً وشجاعاً. وهذا هو معنى التعارف في القرآن، حيث تنص الآية على أن سبب توزيع الله سبحانه وتعالى الناس إلى شعوب وقبائل الهدف منه التعارف من خلال بناء نظام من العلاقات الاجتماعية، تقيم أواصر العيش ومصلحة الناس، وتتمثل في الأمن والرعاية وضمان الحقوق والحريات.

وبناءً على هذا المفهوم فإن الدولة اليوم هي التي تقوم مقام القبيلة، فهي التي تضمن لرعاياها ومواطنيها الأمن والعيش الكريم، ليصبح المواطن صالحاً وإيجابياً وبنّاءً (التقوى)، وهذا النظام للتعايش هو المقصود من تقسيم الناس إلى شعوب وقبائل.

ومن المفاهيم الخاطئة أيضاً حول "الوطن والهوية الوطنية"، أن البعض يرى أن هذه المفاهيم تتنافى مع الشرع والدين، لكون الأخوة والانتماء لا يكونان إلا في الدين، مع أن الدين يرسخ مفهوم الوطنية في الناس، بل يعتبر الوطن من أهم مقاصد شريعة الإسلام، والبعض الآخر يرى أن معنى الوطن يتمثل فقط في مؤسسات الدولة والجهات الحكومية والمسؤولين، وآخرون يرفعون شعارات ضبابية غير مفهومة تتعلق على سبيل المثال بتراب وهواء الوطن.

بينما الوطن يحوي معانيٍ رمزية وروحية وحضارية تتعلق بالشعور المشترك بين أفراد المجتمع الواحد، والهوية الوطنية تتعلق بمنظومة الحقوق والواجبات المشتركة والاقتصاد المشترك والثقافة المشتركة، وفي المجتمع لا يقبل تقسيم المواطنة إلى درجة أولى وثانية، فجميع الناس متساوون في الحقوق والواجبات في الوطن الواحد بغض النظر عن انتماءاتهم القبلية أو المذهبية، كما أن "الوطن" رمز للعدل والمساواة والسلام بين الناس، واليوم الوطني يمثل رمزاً وتذكيراً للناس بوحدتهم وآمالهم وطموحاتهم، والنظر في مشاكلهم والتحديات التي قد تواجههم.

فحين يشعر المواطن على سبيل المثال بأنه مستهدف بعملية التنمية، وأنه موضوع في حسابات القائمين عليها، فإن ذلك يشعره بأنه جزء من العملية التنموية وفي صلبها، بل إنه هدف أي عملية تحديث نهضوي في البلاد، كقطاع الخدمات الذي يوفر الحاجات الأساسية للمواطن ويشعره بكرامته وحريته وتمتعه بكافة حقوق المواطنة من تعليم ووظيفة وعلاج طبي، تلك الخدمات التي تتشكل من خلال المسكن المريح والمرافق الدائمة والطرق الآمنة، وكل ما يتعلق بهذه الخدمات من عوامل الأمن والأمان والاستقرار من أجل تنشئة الأسرة المطمئنة السليمة في النفس والبدن والعقل.

إننا أبناء وطن واحد، ومصالحنا مشتركة تتحقق في وحدة هذا الوطن المعطاء، وبالتالي فإننا أبناء قبيلة واحدة، ينبغي علينا محاربة ومكافحة كل ما يهدد وحدتنا وأمننا، من خلال نبذ الفرقة والفتن التي تشعلها أشكال التفاخر بالأنساب والتعصّب القبلي أو الطائفي والمذهبي، فلا فخر ولا تفاضل في الأنساب، وإنما التفاضل يكون في البذل والإنتاج والعطاء، والتي تعتبر شكلاً من أشكال تقوى الله عزّ وجل.

وفي هذا الصدد يقول الدكتور علي الوردي رحمه الله: "طيلة مكوثي في أميركا لم أسمع أحداً يتفوه بدعوى حب الوطن أو وجوب التضحية في سبيله، إنهم ينسون الوطن في أقوالهم ويخدمونه في أعمالهم".